رفعت رأسها عن كتفه بتثاقل امرأة لا تريد أن تحمله أبدا...داهمتها العبرات و هي تراقب بريق عينيه الذي خفت و هو يحاول عبثا الهروب من أسئلة عينيها المتوحشة بالعتاب... قررت أن لا تنطق بجملة اخرى بعدما انتابها خاطر غامض بأنها فعلا لن تراه ثانية و آثرت البقاء معه حبيسة هذه اللحظات المعبقة بالحب و الألم و الضياع، مرر أصابع يده على وجنتها برفق عندما احس بارتجافها بين ذراعيه عله يطفئ لهيب قرارها الأخير الذي لم يستوعبه بعد...لملم ما بقي منه و حاول الابتسام ليجعل الأمر يبدو خلاف ما هو عليه...
- كم أحُبُّك يا صبرينة!
حتى لو لم ينطِقها فبريق عينيه الواسِعتيْن كان يفعل، طعم الحب الذي شعرت به كان ممزوجا بضيق خانق و بمرارة جعلتها تتنهد بحرارة و تمد يديها في الهواء كمن يتخبط للخلاص، خطر له و هو يُراقِب اِنسِحابها مِن بيْن ذِراعيِه، انها تأخُذ روحه معها. عندما صارت تتلوى أمامه و هي تعاين جرح قلبها الذي ينزف أمامه و تصارع دموع عينيها التي استحالت لشهقات حارة حاول تهدئتها لكنه دونما يفهم صار يتأمّل بياض يديها المُزيّنتيْن بِالحِنّاء و انسياب خصلات من شعرها الغجري على وجنتيها المبللتين بالدموع و اسره لون عينيها الذي أضاء مثل قنديل زاده الكحل السرمدي المنسكب من مقلتيها نورا، لم يسمعها و لم ينتبه من ثمالته بها الا عندما تهادت بِقِوامِها الممشوق صوب الباب...كل كلمات الحب و عبارات الشوق التي ارتعشت بها خلايا رأسها لم تسعفها لتصف ما أحسته و هي تغادر روحها و تترك قلبها بين يدي حبيبها، كيف تصف رغبتها في العودة اليه و الارتماء بين ذراعيه لبقية سنوات حياتها و تصميمها القوي على أنها لن تتمكن من السماح له مرة جديدة بلمسها ... كيف تعبر له عن عشقها الذي كبرت معه و ارتوت من نبعه و ثملت بوجوده و هي التي أقسمت بهذا العشق عينه منذ لحظات أنها لن تسمح له مجددا بايذائها، ابتسمت هنيهة بسخرية بللتها الدموع عندما أيقنت ان القصص التي قرأتها و الروايات التي توسدتها لليالي طويلة في حبه لم تصور لها الحقيقة دائما في النهاية، و لم ترو لها يوما تفاصيل نهاية حقيقية كتلك... نهاية ينبض فيها القلب على وقع خطوات الحبيب و يسلم برضاه دفة النهاية للعقل طالبا منه النجدة...
كاد يجن و هو يلاحقها كطفل يتوسل لأمه البقاء و قد استعرت بداخله نيران عشقها و التهمته كل مشاعر الندم و الخذلان....تساءل في قهر و هو يحاول عبثا جعلها تقلع عن قرارها الأخير ....عن سبب اِكتِمال روْعة الأشياء دائِما عِند نُقطة النِّهايَة! أطلق تنهيدة عميقة يُداري حطام قلبه الذي استحال رمادا، بِالكاد صار يتنفّس و هو الّذي غمرها ليَثمل بِعِطرِها، و يتزوّد ِبما بقي من حُبِّها. مؤونةَ شِتاء موحش قد تُخفِّف عنه وجع حُزنِه القادِم! ......