تفاصيل العمل

مصفرا برقة دلف إلي داخل فيلته الأنيقة المسماة ( أرميتاج ) ،التي تقع وسط أولئك " الجامبينيز "الطيبين ، كان جزلا مسرورا وهو يقود فتاة ،ليس فيها من مظاهر الجمال شيء، إلي الداخل ، كان قد ألتقطها من محطة القطارات وأصطحبها إلي منزله ،غير عالم ماذا يصنع بها بعد ، كانت فيلته في " فيرنوييه " أكثر أمانا ،إلا أن مكان العمل الأول دائما ما يكون له مكانة خاصة في قلب كل مجرم ومجرمة ، وقد كانت فيلا ( أرميتاج ) تمثل له شيئا عزيزا على قلبه .. خاصة موقد المطبخ منها !

كانت البنت صغيرة بادية حداثة السن ، لم تكتسب في التسعة عشرة عاما ،التي عاشتها على الأرض ، من الخبرات ما يكفي لكي تتعلم أن تحسن إدراك طبيعة البشر ، أو على الأقل تأخذ حذرها منهم ، وهكذا لم تفكر ثلاث مرات قبل أن تقبل عرض السيد الوسيم ، بالنسبة لذوق طبقة الخادمات التي انحدرت منها ، في الذهاب معه إلي فيلته الصغيرة ، فكرت مرتين فقط بالأمر ، الأولي كانت في الأجر الذي يمكن أن يعرضه عليها نظير قيامها بأعمال الخدمة في منزله ، والثانية في صحة ما سمعته بأذنيها حينما قال لها ،مسبلا عينيه، وهما يتحركان بعيدا عن زحام الركاب المتدافعين في المحطة المكتظة :

-" إنني لا أبالي بالطبقة أو بفوارق السن أو المكانة الاجتماعية يا عزيزتي .. إنني أبحث عن قلب دافئ وحب حقيقي يعوضني .. فأنا أرمل منذ خمسة أعوام ! "

لو فكرت " أندريا " للمرة الثالثة ، ولو لمجرد لحظة ، في صحة ما يقوله الرجل ،ومدي مطابقته لأحكام العقل وبديهيات المنطق ، وليس في حقيقة تمتعها بدرجة مقبولة من السمع والقدرة على تمييز الأصوات المنطوقة ، فربما كانت قد أسدت لنفسها خدمة عظيمة وأنقذت عنقها .. إلا أنها لم تفعل لشدة سوء الحظ ونكده !

كانت الآنسة " بابلي " تبحث بجد عن عمل ، فقد تركت العمل لدي آل " نونيه " المتغطرسين منذ أيام ، ولم تعتد أن تركن إلي البطالة ، أو تترك أمها تقوم بمئونتها ، لقد تعودت أن تعول نفسها منذ أن كانت صبية يلطخ الطين قدميها الحافيتين ، وباريس كانت موطنا للحلم ، ومهبطا للأمل ، كالعليقة التي تجلي الرب من وسطها متكلما إلي " موسي " ، باريس كانت كذلك عليقة مضطرمة تشتعل بالنار ، لكنها كذلك تضيء بالأمل والفرص السانحة المخبأة هنا وهناك ، لكنها لم تتخيل أبدا أن تكون فرصتها كبيرة وهائلة وواعدة إلي هذا الحد !

تري هل يكون الرجل صادقا في ادعاءاته ، لقد قدم نفسه إليها باسم السيد " ديارد " ،وثيابه الأنيقة ومظهره تدل كلها على رجل متمتع بثراء وجاه كبيرين ، فهل تصبح هي ، الفتاة الخاملة " أندريا آن بابيلي " ، العاطلة من كل المميزات ، يوما ما السيدة " ديارد " ؟!

حلم ساذج عبيط ، لكن الرجل لم يبدو من هذا النوع الذي يصطاد فتاة بائسة ويأخذها إلي منزله للاعتداء عليها ، إنها سذاجة أن تفكر في مثل هذا الاحتمال .. ما الذي يدفعه إلي الإقدام على شيء كهذا على أية حال ؟!

إنه ثري ، وسيم ، لديه فيلا ، اثنتين في الحقيقة مثلما أعترف في ثرثرته المبدئية ، ويستطيع أن يشتري بما لديه العشرات من النسوة من ( هذا النوع ) في ليلة واحدة إن شاء ، لكنه يبدو صادقا ومخلصا فيما يقول ، إنه يبحث عن قلب دافئ وحب حقيقي يعوضه ، فهو أرمل منذ خمسة أعوام !

ما أجمل وقع هذا الكلمات على قلبها .

لحظة! لم تعرف إن كان لديه أطفال أم لا ، ستعرف ذلك قريبا على أية حال .. فقد وصلا إلي منزله الأنيق في " جامبيه " الهادئة !

...

-" الرائحة يا عزيزي .. الجريمة الكاملة ليست هي التي تكون بلا جثة بل التي لا تتخلف عنها أية رائحة ! "

-" هذه حكمة صينية قديمة فيما يبدو .. بيدبا أخبر تلاميذه بهذا ذات مرة كما أظن ! "

-" لم يقل بيديا هذا الكلام أبدا ، كما أنه لم يكن صينيا بالمرة يا عزيزي ! ولا يفوتك أن تلاحظ أن ثقافتك لا تليق بتاتا بشخص في مثل عبقريتك .. وسفالة طبعك ! "

-" لقد لاحظت هذا بالطبع يا عزيزتي وأنا ماض في تحسين مستوي معرفتي ، أما عما ذكرتيه عن السفالة فهذا شيء يفوق طاقتي لتغييره .. أعتقد أنه ليس ثمة ضرر في أن نتركه حيث هو ! "

-" كما هو تقصد ! لا ضرر مطلقا ، إن بضع أرواح مسلوبة لا تعني شيئا في حساب الخسائر البشرية ، لا تنسي أنه ليست كل حياة بشرية تساوي فلسا، فبعض البشر ، خاصة من النساء اللاهثات خلف الرجال ، لا تساوي حياتهن شروي نقير .. إنهن مجرد قمامة يُحرقن على كومة الحطب ! "

لم يكن ثمة من يبادل الرجل الأنيق الثياب الحديث ، أو يناقشه أفكاره ،التي كان كثير منها غريبا ومدهشا حد التبذل ، بل كان الأمر مجرد محادثة ، تضمنت شدا وجذبا عنيفين ، بينه وبين نفسه ، كما أنها جرت بدون صوت ، لأن الحوار كله تم داخل رأسه العريض ، رأسه الذي لا ينكر أحد أنه يحوي من العبقرية قدرا لا يستهان به ، قدرا كافيا لأن يجعله واحدا من أصغر من حصلوا على شهادة الهندسة بعمر سبعة عشرة عاما فقط !

أي بنفس عمر تلك الفتاة القبيحة الغبية ، التي طلب منها ، فور وصولها معه إلي الفيلا ، أن تذهب لتغسل وجهها وتعد مشروبا له ولها ، إنه يشعر بالشفقة عليها ، فقد ثرثرت بما يكفي أثناء الطريق واصفة له ، بدقة تشريحية ، تفاصيل حياتها العسيرة وظروفها الشاقة .. مولعين باستدرار العطف هؤلاء الخادمات ، دائما ما يتحدثن وكأن العالم قد ناء بحمله كله عليهن وحدهن ، وكأنه لا أحد يعاني مثلهن ، وربما أكثر ، في هذا العالم البائس ،كما أنها ترتدي منديلا على رأسها !

-" منديلا قذرا على رأسها ؟هذه فتاة تستحق أن تموت !"

-" أنت مخطئ يا عزيزي! البحث عن مبرر لقتل أحدهم لا يقل سوء عن محاولة إيجاد مبرر للإبقاء عليه حيا ! كهؤلاء المغفلين الحالمين ،المنادين بقدسية الحياة البشرية ، لولا القتل لما وجد أجدادهم فرصة سانحة ولا مكان ملائما لينجبوهم فيه ، بيد أن العباقرة يبخسون أنفسهم قيمتها حقا حينما يتدنون إلي مستوي مناقشة أفكار هؤلاء البلهاء .. إن القتل لسبب هو أمر سيء ، وأجرؤ على القول أنه لا أخلاقي أيضا ، القاتل الذي لديه حزمة من الأخلاق العملية ،وكثير من الإرادة الحرة الواعية لا يبحث أبدا عن مبرر لقتل أحدهم ، إنه يقتله وحسب ، وإلا فكم قرنا نحتاج لكي نوجد مبرر منطقي للمجاعات ، للحروب التي يسقط فيها الألوف ، للفيضانات الكاسحة ، للأوبئة ؟ إن الشر ليس فكرة حقيقية ، إنه مجرد افتراض غير واقعي تدعمه نظرية خيالية خالية من معايشة الواقع ، الطبيعة لا تقدم مبررا للتخلص من بعض الأفراد هنا أو هناك ، والقاتل الطبيعي المثقف الواعي يفعل مثلما تفعل الطبيعة ، يقتل لأنه يريد هذا ،وليس لأن سببا خارجيا مبتذلا دفعه إلي ذلك ، إنه يهين نفسك بتلك الطريقة الوحشية غير المتحضرة .. القاتل الذي يبحث عن مبررات هو شخص بدائي همجي ،يتصرف وفقا لغرائزه ومواهبه الطبيعية ، لكننا متحضرون يا عزيزي ،متحضرون ونعيش في قرن متحضر .. لذلك فنحن نقتلهم وحسب ! "

كانت المجادلة مستعرة ، داخل الرأس كالعادة ، بينما أهل شبح الفتاة عائدة من المطبخ ، وفي يدها كوبين من الشراب ، لقد غسلت وجهها ، مزيلة أكوام من الأتربة والغبار من عليه ، وصففت شعرها مظهرة خصلات ناعمة أرختها ، بسذاجة ، على جبينها ،ووضعت على وجهها قناعا مصطنعا من الرقة والأنوثة المزيفتين .. لقد ابتلعت الطعم تماما هذه الساذجة !

تجرأت على الجلوس بقرب سيدها الجديد ، وأخذت تحاول أن تجاذبه أطراف الحديث ، لم تفته نظراتها الجائلة فيما حولها ، وعينيها وهما تصعدان وتهبطان في كل ركن بالمنزل ، إنها تحاول أن تستكشف كل دقيقة هنا ،وتستشف ما وراء الستائر المسدلة والأبواب المغلقة من حقائق وأسرار ومعلومات ،كبنات جنسها دائما يحببن التفاصيل ويتركن الحقائق الكبرى الشاملة الواضحة ، فجأة تجرأت على سؤاله بخفر :

-" هل لديك أبناء يا سيدي ؟! "

ضحك باطن " لاندرو " وهو يراقب خلجات وجهها واتجاه نظرات عينيها ، إنها تحاول أن توقع به في شبكة الماكرة ، لكنها لا تعرف في يد من وقعت هي !

مضي يتأملها وهي تنفجر في موجة ثانية من الثرثرة ، وراقب شفتيها وهما تتحركان ، بلا توقف ، مقدمتان له سيلا من المعلومات والصور والحقائق التي تعتبرها هي مدهشة ، كانت مصرة على أن تعطيه صورة واضحة ونزيهة عن ماضيها ، اللعنة ومن يهتم بماضيك يا فتاة ؟!

ثم إن حياتك كلها ، بما فيها هذه اللحظة ، وأنت معها ، سوف تصبحون جميعا من الماضي خلال لحظات !

تتكلم بلا توقف ،بينما هو غارق في تأمل الحالة الشاذة التي وجد نفسه أمامها اليوم ، إنه يعرف جيدا لماذا قتل مدام " كوشيه " ، والسيدة " لابورد لاين " ، ومدام " جيلين " ، ومدام " كولومب " وغيرهن ، وحتى الولد البالغ من العمر ستة عشر عاما ابن تلك الأرملة المزعجة " كوشيه " ، برغم أنه كان يرغب بصدق في ألا يضطر للتخلص منه بدوره ، كان مبرر قتلهم جميعا واضحا ، لا لبس ولا تدليس فيه ، بيد أن تلك الخادمة الثرثارة كانت حالة جديدة عليه .. فما هي الفائدة التي ستعود عليه من قتلها يا تري ؟!

إنه يؤمن ، كرجل بارع متحضر ، أن القتل لسبب هو شيء وحشي ولا أخلاقي ومثير للاشمئزاز ، فالقتل للقتل عمل سام ،ويدل دلالة واضحة على التماهي مع أمنا الطبيعة ، وتقديم الشكر والتبجيل لها عبر التأسي بأفعالها وتقليدها في سننها الحسنة ، هذا ما أنتهي إليه جداله الساخن مع نفسه المتعبة منذ لحظات ، إلا أنه لا يزال عاجزا عن تقديم سبب واحد لنفسه يشرح به تلك المعضلة التي تفوق كل المعضلات الهندسية التي حلها ببراعته من قبل : لماذا يُقدم على قتل تلك الفتاة البائسة ؟!

ثرثارة وبمنديل قذر على رأسها ، مبررات طيبة ، إلا أنها ليست كافية ، وهنا هبت نفسه الواثقة لإنقاذه من عواصف عقله القلق للمرة الثانية :

-" ربما تكون هناك فائدة ما من قتل تلك الفتاة وربما لا ، لكننا لن نعرف ذلك على وجه التأكيد إلا بعد أن نقتلها بالفعل .. التجربة يا صديقي هي التي تعطينا خير برهان على صحة أو خطأ ما انتهينا إليه ! "

إنه يقدر هذا الرأي ويثمنه حقا !

ينتقي الطبيب البارع حالة يعتبرها تحديا شخصيا له ، حالة ميئوس منها ولا شفاء لها ، يستظهر فيها عبقريته ، وينافس نفسه أولا ، حالة لا فائدة ولا رجاء فيها ، إنه يعتبر الأمر تحديا شخصيا ولذة لا تفوقها لذة ، والسفاح البارع أيضا يفعل نفس الشيء ، لأن الاثنين يتحملان نفس المسئولية ، فالطبيب يعيد الحياة إلي أجساد من يستحقون العيش ، والسفاح ، صنو الطبيب وشريكه الثاني في مهامه العاجلة على الأرض ، ينتزعها من أجسام من لا يستحقونها ، تقول وكيف نعرف أن الطبيب يعالج أناسا يستحقون العيش فعلا ؟ أقول لك إنهم يدفعون جيدا لكي يحظوا بالعلاج الجيد والدواء الصحيح ، وكونهم يملكون ما يدفعونه كاف جدا ليستحقوا نعمة العيش وهبة الحياة !

مجادلة بارعة ،بيد أن الفتاة عادت تكرر سؤالها ملحة في الحصول على إجابة له :

-" هل لديك أطفال يا سيدي ؟ "

-" نعم .. اثنان في سن المدرسة ! "

بدت خيبة الأمل على وجهها للحظة ، ابتسم باطن " لاندرو " وقهقه بالضحك ،إنها تطمح إلي الاستحواذ على قلب السيد ، الذي لم تقابله إلا منذ نصف ساعة ، وتود أن تستولي على لقبه ، عبر وهم في رأسها ،لا يعرف مصدره ،بالحب والزواج ، وأمواله وفيلته الرائعة ، وبما الاثنتين أيضا ،وها هي تشعر بخيبة الأمل لأن ثمة من سيشاركها في كل هذا ، إنها تستحق الموت بلا جدال ..لقد أصدرت حكما على نفسها .. وسوف يتولى هو عنها مهمة التنفيذ !

...

نهض من مكانه بتؤدة وقد حسم أمره ، لم يكن الأمر بحاجة إلي تلك المحاورة مع النفس ، والتسويف المخل ، في كل الأحوال ، بهدوء طلب منها أن تصحبه إلي المطبخ ليريها أغراضه ، مظهرا رغبته في الحصول على وجبة غداء صحية !

ابتسمت الفتاة ،وأشرق وجهها ، لآخر مرة في حياتها ، لماذا يصبحن فاتنات هكذا قبل أن يمتن مباشرة ؟!

ألدى أحد إجابة منطقية على هذا السؤال .. لا ؟!

ولا " لاندرو " خبير الموت لديه إجابة مرضية أيضا .

في المطبخ المتسع كان الفرن العزيز ، كبير الحجم، ينتظر ساكنا باردا في الركن ، سوف تتأجج النيران في قلبه عما قليل ، وسوف يؤدي نفس دور الجهاز الهضمي وعصارات المعدة والأمعاء ، ، إسالة ، هضم، فصل المخلفات عن المواد النافعة ،ثم طرد البقايا إلي الخارج ، لماذا لا يصنعون الأفران على شكل معدات كبيرة !

لكان هذا الشكل أليق بها وأفضل وصفا لمهامها الكبرى العنيفة ، مهامها المقدسة ، إلا أن السيد " لاندرو " فاتته تفصيلة صغيرة ، فليست كل الأفران في باريس تؤدي نفس مهام فرنه البارع الكتوم المخلص !

...

جالت عيناها فيما حولها غير مصدقة لما تراه ، كانت قد شاهدت المطبخ مشاهدة خاطفة وهي تعد الشراب ، لكن الوقوف في منتصفه وتفحص كل محتوياته شيء مختلف ، لا يشعر الفقراء بفقرهم حقا إلا حينما يدخلون بيوت الأثرياء ، لأنهم يواجهون هناك الحقيقة ،التي يتهربون منها ويتنصلون من الاعتراف بها ، و" أندريا " أحست بهذا وهي تحصي محتويات مطبخ مخدومها الجديد ، الذي ربما يصير يوما ما ، بضربة حظ تفوق كل خيال ، مطبخها هي الخاص !

كانت البنت حريصة دائما على أن توقف أمها على تطورات حياتها لحظة بلحظة ، ولأنها كانت ثرثارة بطبعها ، فقد كانت تلجأ حينما لا تجد من تتكلم معه وجها لوجه إلي نقل ثرثرتها على الورق ، وأمها كانت الأذن الوحيدة التي تنصت إليها ، في الحقيقة أو على الورق ، دون ضيق أو كلل ، ولذلك دبجت رسالة طويلة ، شرحت فيها مصادفة اليوم المذهلة التي وقعت معها ،والسيد الثري المهذب الذي يبحث عن زوجة وفية وقلب حنون ، برغم أن لديه طفلين ، وكيف ألمح للفتاة أنها سوف تصبح سيدة هذا البيت خلال أيام ،ربما ، كانت قصة البنت غريبة ولا تصدق ، من العسير على أي شخص بالغ عاقل أن يصدقها ، لكن البنت نفسها كانت تصدقها ، مثلما كانت تصدق كل ادعاءات السيد " ديارد " ، الذي لم تكن تعرف اسمه الحقيقي بعد ، ولأنها وثقت به وآمنت له، فلن يتاح لها أن تعرف اسمه الحقيقي إلي الأبد !

وهكذا وبينما كانت تجيل أنظارها في مظاهر الترف والنعيم التي حولها تقدم " لاندرو " نحوها ، بينما هي واقفة معطية له ظهرها ، وأمسك بها من الخلف ، لم تجد الفرصة لتستدير إليه قبل أن يبدأ في خنقها ، كان الأمر يبدو كدعابة ثقيلة سمجة ، أو كموقف أسيء تفسيره بشدة ، فلم يكن هناك سبب واحد يدفع رجلا لم تره إلا منذ ساعة واحدة من الزمان للإقدام على محاولة قتلها ،حتى في أشد الحكايات الخيالية فقرا في الحبكة وإسرافا في اجتراح المآسي التافهة ، بيد أن " لاندرو " لم يكن من النوع الذي يحتاج إلي سبب لكي يقتل ، إن مبادئه الصارمة ضد ذلك تماما ، لكننا لا نستطيع أن نلوم الفتاة فهي لم تكن تعرف السيد " لاندرو " نفسه لنطالبها بأن تكون عارفة ومدركة لمبادئه العظيمة !

لم يستغرق موت الفتاة أكثر من أربع دقائق ، برغم أنها حاولت المقاومة ، وتهشمت نتيجة حركاتها العصبية المائجة ، رغبة في الإفلات ، الكثير من محتويات المطبخ الثمينة ، إلا أنها رقدت ميتة في نهاية الأمر عند قدمي " لاندرو " الذي كان يلهث إرهاقا وإثارة !

كان قاتل الأرامل في أشد حالاته إثارة وشعورا بالسعادة ، إن القتل كالمخدرات يدفع في العروق بجرعة هائلة من المشاعر المتناقضة الفياضة ،ويدفع بمقترفه إلي استجلاء السر الأعظم والطرق ،بقبضة لا تلين ، على بوابة الوجود ، الفاصلة بين الحياة والموت ، منتظرا من يستجيب لطرقاته ويفتح له الباب !

لقد عبر " لاندرو " هذه البوابة السحرية ذهابا مرارا ، لكنه لم يجرب عبورها ذهابا وإيابا أبدا ، فهو يعرف جيدا أن من يذهب عبر تلك البوابة لا يئوب أبدا ، مثل تلك الفتاة السيئة الحظ ،التي قتلت لسبب مدهش ، أشد الأسباب غرابة وعجبا ، وهو أنه لا يوجد سبب على الإطلاق لقتلها !

أو ربما كان هناك سبب محجوب لم تدركه هي ، ولا أي واحدة أخري من الأرامل الذين سبقوها متدافعات عبر بوابة الموت المفتوحة الفكين، وهو أن هذا الرجل عبقري !

والعبقرية خطر يا مولاي الشهبندر ، خطر كبير ،والعبقري إما أن يصل إلي القمة ويصعد إلي السماء ،وإما أن يرتكس ويهبط إلي قاع الجحيم .. لذلك فالعباقرة إما عظماء بارزين أو مجرمين خطرين !

وقد وضع الخيارين أمام السيد " هنري ديزيريه لاندرو " ، وأختار لنفسه ما أحب .. بقي الآن التخلص من الجثة !

ولم يكن الأمر بحاجة إلي كثير تفكير ، فخلال دقائق كان الفرن قد سُعر ،وجثة الفتاة قد مُزقت وألقيت داخله ، لتأكلها النار وتنساب بقاياها ، رمادا محترقا ، مع أنفاس المدخنة الملتهبة ، لقد تعود جيران مسيو " ديارد " على الرائحة الخبيثة النفاذة المنطلقة من مدخنة مطبخه !

راقب " لاندرو " الفرن ، الذي أحكم إغلاق بابه ، وأخذ يتسمع ، منتشيا إلي صوته ، وهو يؤدي مهمته المرعبة بالداخل ، ثم فجأة داهمه خاطر مفزع : فماذا سيفعلون به لو كٌشف أمره !

لابد أنهم سيدينونه ويحكمون عليه بالموت ، ربما يحرقونه حيا ،كهؤلاء الضحايا المساكين ، مساكين هذه من عندنا فلم يعترف السيد العبقري أبدا بأن ضحاياه يمكن أن يسلكوا في عداد المساكين ، أضطرب لذلك الخاطر المرعب للحظة إلا أن نفسه المطمئنة خفت لإنقاذه :

-"عزيزي تخيل كل هؤلاء الذين سيربحون من وراء موتك ! الصحفيين الاشتراكيين المتقشفين المساكين سيجدون خبرا يكتبون عنه ويقبضون قروشهم القليلة ،وسائقي العربات المنهكين ، كم متفرج سوف يقلونه إلي قاعة المحاكمة ، والجلاد الذي سوف يضع رأسك تحت سلاح المقصلة ، كم سيقبض بدوره ، والقاضي ! القاضي يا عزيزي سوف يربح أكثر من الجميع ، حسنا إن موتك سوف يكون مربحا للجميع تقريبا ، عداك أنت بالطبع ! فكم واحدا من أولئك التافهين الذي يصمون أعمالك العظيمة بالإجرام ، وينعتون سجاياك الطيبة بألقاب النقائص، تمثل حياتهم التافهة مصدرا للربح أو فائدة لأحد ما ،إنك تمنح الجميع السعادة والربح .. كم أنت نافع للبشرية يا " لاندرو " يا عزيزي .. عشرة من مثلك كافيين لإحداث ثورة تنوير معرفية .. الحق أقول لك : إنك ثورة بمفردك !

إن رأس واحد هو الذي لديك ، كرة واحدة تلقيها فتهز الشباك ، لو كان لديك أكثر من رأس لكانت المخاطرة أعظم ، لكنها ضربة واحدة ويسقط هذا الرأس المليء بالعبقرية ، ضربة واحدة من حد المقصلة ويصير دمك ينبوعا لسعادة فرنسا !"

تضحك ؟

يحق لك أن تفعل فالأمر مضحك بالفعل .. مضحك للغاية !

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز
المهارات