النص:
تسائلتُ حينها عن الحروف التي غطت سطح هذه الأوراقُ البالية، هل كانت في يومٍ ما قضية مهمة يدافع عنها محامٍ ما بكل ما أوتي من قوة وصرامة؟
أم قصة شخص مجهول الهوية يتمنى لو يعود له حقه بقدرة قادر؟
وهاتان اليدان المجعدتان كم من قصة ووجه قد مر من خلالهما؟
ثم قفزتُ ببصري لهذا التنسيق البسيط المثير بين ثنايا المربعات الذهبية وكيف لرجلٍ عجوز يبدو جيدا على ملامح وجهه انه وقع فريسة سهلة لمطالب الحياة وطُحنِ بين راحاتها أن يبتسم لي بوجهٍ لازال يؤمن بالقادم.
قال لي بأن العملة التي أعطيته إياها مزيفة، فاعتذرتُ له خجِلة. وأعطيته واحدةً أُخرى. كان عليّ أن أشغل نفسي بشئٍ ما حين تصدري رقماً في قائمة الانتظار.
حين جعلتُ أبحث في محفظتي عن بديل للزيف الذي قدمته له، غرقتُ لوهلة فيما حدث، وضحكتُ بين نفسي؛
هذا الرجل العجوز علم على الفور زيف قطعة النقود بينما أنا كنت كالحمقاء أُمررها له بكل ثقة على أنها قطعةً نقدية.
تسألتُ حينها، هل باستطاعته أن يقرأني أنا أيضاً بهذه السرعة ليعلم إن كنت مُزيفة أم لا؟ فهذه التجاعيد في وجهه لم تُخلق من عبث. حتماً كان في مكاني يوماً من الأيام يقتني أشياء ثمينة ويكتشف بالصدفة أنها مُزيفة.
ألهذا ابتسم لي؟ لسخافة الحياة في نظره؟ ولكونه يعلم ما يحدث وما سيحدثُ لاحقاً؟ ولربما يعلم ما كان يدور في ذهني حينها مما جعله يعتذر لي عند رحيلي.
-أنا آسف، "غلبتك معايا".
-لا داعي لقول ذلك. أن من يجب أن يعتذر.
ابتسم مرةً أُخرى وقالت عيناه بصوتٍ لم اسمعه: لا يبدو عليكِ بأنكِ اشتريتِ من شخصِ مثلي من قبل.
قلتُ قبل أن يمكتمل هلال حديثه:
-يبدو ما تبيعه شهياً لذلكَ أنا أقف أمامه الآن. شكراً على كل شئ.
تركتُ له ابتسامة مجهولة الهوية، وهممتُ راحلة.
كان هذا في بضع دقائق. لكنني دائماً ما كنت مجتهدة في قراءة ما بين السطور. وأعلم جيداً كم ذلك ممتعٌ ومبهجٌ لقلبي.
لذلك أقول دائماً بأن: " بعض اللحظات تساوي عمراً"
قد تدور حياةً بأكملها في دقيقتين، وقد تبدأُ حياة وتنتهي أخرى. وهذا كان اختصار الكون منذ لحظة وجوده.
يُتبع.