… نهضتُ من سريري أرتجف، أتحسس وجهي وأفرك عينيّ، أنتظر أن يرمي ابني بنفسه عليَّ كما يفعل عادة، وجبة فطور على الطاولة قبالتي، ضوء خفيف يصارع الظلمة محتشما على مكتبي، تحيط بي جدران بلا حياة، أو على الأرجح، سكنتها أوجاع من سبقوني هنا. أدركتُ أنني في مكان آخر، قصدتُ باب الغرفة وفتحته أسأل الممرضات كم الساعة، فأجبنني أنها الثالثة بعد الزوال! وضعتُ يدي على رأسي مذعورة، فقد نمتُ إثني وعشرون ساعة بالتمام.
تناولت وجبة فطوري، غادرت الغرفة من أجل تناول الدواء، كنت أتذيل طابور النساء، ألمح بدهشة كيف يُطلب منهن الجلوس على كرسي تحت مراقبة الممرضات والأطباء، يبلعن الدواء حينما يقدمونه لهن مع كأس ماء بلاستيكي ثم يطالبنهن بفتح أفواههن.
كانت أول مرة ألتقي فيها المرضى داخل المشفى الذي أنا فيه ، لكنني كان لدي نوع من الألفة اتجاه هذا العالم، بناها حادث بالصدفة، فقد سبق ودخلتُ مشفى الأمراض العقلية بغرض زيارة ضحية اغتصاب جماعي أنا وأحد زملائي، ومن سوء حظنا أن الممرضة المشرفة على النساء، أقفَلتْ علينا باب الجناح مع المريضات بالمفتاح وغادرت بعد مكالمة هاتفية مستعجلة، أذكر أن إحدى المريضات جلستْ على البلاط ومسكت ساق زميلي، تطالبه بسيجارة، بعدها التف حولنا البقية يرغبن في السجائر، أذكر أيضا أن زميلي كان سيفقد الوعي من الرعب، كنا نتبادل فقط نظرات من بعيد " علينا أن نبحث عن مخرج من هذا المكان"، كنا نحمل حقائب العمل المليئة بحواسيبنا وأغراضنا، أُلمِّحُ لزميلي من بعيد بعدما صرتُ محاصرة بالمريضات، ألا يُظهر علبة سيجارته، لأنه بعد ذلك سيكون مطالبا بالقداحة، وهنا سنحترق جميعا داخل هذا المكان، طبعا كل ما قلته، كنتُ قد قمتُ به بلغة أمهاتنا القديمة، اللمز وهمز عندما يتسنى لي ذلك، فمرة أُجحظُ عيني ومرة أعض شفتي، لأنني عندما جربتُ التحدث معه بلغة أخرى لكي لا يفهمنا المرضى، وجدتُ بجانبي مريضة "ترجمان" سابقة، متمكنة من عدد من اللغات، ليس هذا فقط، بل أصبحتْ تتفاعل معي، وحذرتني بأن لا أحاول ذلك مرة أخرى، حضننا حقيبتينا أنا وزميلي، وأخذنا نُموِّه المريضات اللائي صنعن ضفائر في شعري إلى أن عادت الممرضة وفتحت باب الجناح، ثم حملنا حالنا، أطلقنا سيقاننا للريح وصرنا نركضُ كالأطفال ولم نتوقف إلا عند نهاية الشارع.
جاء دوري لأتناول الدواء، جلستُ على الكرسي بلعتُ ما يكفي من العقاقير، فتحت فمي دون أن يُطلب مني الأمر، لكي لا تغرس الممرضة يدها في فمي لتفتشه، نوع من الاستسلامية التكتيكية، ورسالة للطاقم الطبي، بأنني هنا لأنني أردتُ ذلك ومدركة لهذا التواجد. بعد هذا الإجراء يتم تحضيرنا للفسحة، نتقدم نحو المصعد الذي يتم تأمينه من طرف حراس خاصين عن طريق الاتصال اللاسلكي، ثم يُفتح باب الجناح بأكواد خاصة أوتوماتيكيا فنلجه أفواجاً في اتجاه المكان الذي كنتُ أرغبُ في رؤيته…
أدهشتني حديقة المشفى، مكان لطيف ودافئ، يجتمع فيه المرضى بكل درجاتهم تحت شجرٍ عجوز، أعشاب في المكان بأكمله، وطاولات يحتسي فيها المرضى مشروباتهم الساخنة، هنا سأكتشف عالماً آخراً علاقة مجتمعاتنا مفصومة به، وأحكامه اتجاهه ضاجة بالعار واللعنة، نزعتُ نعالي وسِرتُ أخطو حافية على العشب نحو الكُشك لأتسلم قهوتي وجلستُ على مسافة من الجميع أتأمل المكان ونفسي، اختبر قدرتي على الابتعاد عن ابني، لا أعرف كم من الوقت، فإذا بفريق من الأطباء يلتحق بي يستأذنني بالجلوس، قلتُ في خاطري: "أنا هنا من أجلكم"، وأردفتُ بصوتٍ مسموع: "مرحبا يمكنكم ذلك"، أخذوا أماكنهم، ثم قالوا: نحن فخورون بك، قرار أن تكوني هنا، يتخذه الكِباَر، الواعون بأهمية نظافة الفؤاد. أجبتُ: ممكن! فالوساخةُ متعبة..
كنَّ ثلاث طبيبات وطبيب، وكان النقاش من بين أهم وأفيد وأجمل النقاشات التي خضتها في حياتي، سجال يشرِّحُ المشاعر التي تربينا على أن نحوِّلها في أغلبِ الحالات. تحولا مشوَّهاً.