دخلت الأم إلى الغرفة التي اجتمع فيها أبناؤها الثلاثة، كان قلبها يرتجف، بينما كانت عيونهم تراقبها بوجل وتحدق في وجهها المرتعب. لم يعودوا صغاراً يحتاجون إلى عطفها بقدر ما كانت هي المحتاجة إلى ملاذٍ يرحم ضعفها وتعبها. لم يستوعبوا كيف يمكن لما يحدث أن يكون ممكناً؛ فهي تطلب منهم كتم أنفاسهم، وألا يصدروا صوتاً ينبئ بوجودهم، وتحثهم بشفقة على إيصاد الباب بإحكام، وألا يسمحوا لنسمة هواء أن تتسرب إليهم. كانت تعيش مفارقةً عصيةً على التفسير، تخشى على نفسها، وتخشى على فلذات كبدها من فلذة كبدها. لم يكن خوفها مقتصراً على الأذى الذي قد يلحقهم، بل بما قد يقودهم إليه هذا الوضع من تصرفاتٍ غير محسوبة؛ فهي تخشى أن يتفاقم الأمر، فيتحول إلى ذريعة تدفعهم لارتكاب ما لم يخطر ببالها يوماً أن تشهده. كانت تجاهد طوال ليلها لتحمي أبناءها من شياطين تملأ ملاذهم وتتلاعب بهم، وتأمل أن تنتهي ليلتها بسلام، وأن يقود هذا الإرهاق أجسادهم إلى سكينةٍ ولو لبرهة، رغم الوجل المتربص بالقلوب. نظرت إلى مختار، ابنها البكر، الذي كان مرتبكاً يكاد يبكي حسرةً على عجزه عن إسنادها؛ فكيف له أن يقف مكتوف اليدين يرى أمه تنطفئ روحها من شدة الفزع؟ أما فالح، ابنها الأصغر، فبدا شاحباً كأنه يود الاختباء تحت غطاءٍ يواري انكساره وارتباكه أمام عجز الجميع، حتى أوشك أن يجهش بالبكاء شفقةً عليهم وعلى نفسه. كانت كلماته تختنق في حلقه، فلا تخرج إلا همهمات متقطعة؛ فقد أراد إخبارهم بأن ما يواجهه يومياً كفيل بجعله يهجر البيت، وبأن الثقل الذي يشعر به يفوق قدرة الجبال على الاحتمال، لكنه كان يخفي كل ذلك خلف قناعٍ يواريه ومأساة إخوته حين يغادر البيت خلسة كل يوم.
أما عمر فلا يزال متمسكاً برغبته في تخليص الجميع من هذه المشكلة، يردد يومياً الكلام ذاته، جازماً بأن الحوار كفيلٌ بتخفيف ما يجثم على صدورهم وإنهاء الأزمة ببساطة، محاولاً عبثاً إقناع نفسه بأن الأمر أهون مما يراه الآخرون. في المقابل، يئس مختار بعد محاولاتٍ متكررة، مستيقناً باستحالة الحل؛ فقد بات الأمر بالنسبة إليه حلقة مفرغة، دائرة تخنقه وتجعله هدفاً لكل خطرٍ يخشونه، ولعل الأم تجمع إخوته حوله خوفاً عليه، فوجودهم بجانبه يحميه من الشر المستطير.
أرادت الأم أن تخبرهم بما حدث، لكن فؤادها يرتجف رعباً؛ فاعترافها لن يكون سوى شرارة تزيد نفوسهم التهاباً. كانت تلطم وجهها أسىً على العار الذي سيلحق بابنها، وتغرق في همٍّ لا ينقضي: كيف تفسر لهم ما حدث خلافاً لما رأته أعينهم؟ كانت تخشى لومهم لها، والأشد من ذلك نظراتهم لهذا البائس المسكين، إذ تتوقع أن يحتقروه ويزدرونه. ومع أن حدسها يهمس لها بأنه لم يقصد أذيتها قط، إلا أنها ترتعد كلما اقترب منها؛ فحتى حينما يهمُّ بتقبيل رأسها أو يديها وفاءً لفضلها، لا يدرك كيف تتحول براءته تلك إلى كابوسٍ مخيف.
يتغير كل شيء من حوله، فينقلب عالمه رأساً على عقب، لكنه لا يشعر بشيء، وكأنّ عمره يُسرق منه. ينظر إليها بعينين شاخصتين لا يظهر فيهما شعور واضح؛ فلا تدرك أهو سرور يراوده، أم قلق ينتابه، أم غضبٌ مستعرٌ في داخله يوشك أن ينفجر في وجهها، أم مجرد ارتباكٍ وتخبّطٍ تفرضه الحيرة.
كان الأبناء الثلاثة يسمعون توسّلاتها له بأن يتوقّف، وهي تحاول عبثاً ثنيه عمّا يقدم عليه، لكنه يصرّ على المضيّ حتى النهاية؛ يقسم لها أنه لا يريد سوى إثبات خطئهم في حقّه، وأن يواجه "مختار" بأنه المسؤول الأول عمّا آلت إليه الأمور، ليقيم عليه الحجة. تحاصره بيديها وتسدّ أمامه المنافذ كي لا يقترب منهم، فيدفعها ويقبض بقوة على معصميها، يعلو صراخه كأنه يجادل وسط صخبٍ عارم، محاولاً التحرر من هذا العبء بلا جدوى. ينظر إلى وجهها فيباغته الخوف من إصرارها، يحدثها بكلماتٍ غير مفهومة، وكأنه يجيب على أسئلة لم تطرحها، يخلط الأمور ببعضها ولا يرى في ذلك جنوناً، بينما تراه هي كذلك؛ فتتجنب الردّ أو الخوض في الحديث، مكتفية بإيماءات رأسٍ يائسة، تحاول بها طمأنته. ومع ذلك، يدرك هو أنها لا تعي ما يرمي إليه، ويوقن أن كلماته تذهب هباءً كرمادٍ تذروه الرياح.
يغرق في تمتماته، وتسيطر على الموقف حركات يديه العصبية، يتقوس حاجباه، ويتجنب النظر إلى عينيها، كأنما يخشى أن تلمح فيهما خوفه مما يراه ولا تراه. جفَّ حلق الأم، وحاولت بلع ريقها من شدة الوجل، وفجأة انهار باكياً، وسقط جاثياً عند ركبتيها. ربّتت على ظهره في صمت، حتى خفت صوته رويداً رويداً، وساد صمتٌ لم يقطعه سوى أنفاسه التي أخذت تهدأ. قَبّل يديها وهو يمسح دموعه، ثم حاول ضمّها؛ فوقفت عاجزة ترتجف، تسلم أمرها لله بينما أحاطها بذراعيه، ثم ما لبث أن انسحب بهدوء إلى مضجعه. لم تدرِ ما الذي حدث، لكنها انتهزت الفرصة لتستجمع شتاتها، وذرفت دموعاً امتزج فيها الفرح بانكشاف الغمة بالحزن على روحها التي لم تعد تقوى على هذا الحمل. تشبثت بالجدار وسارت بخطوات مرتجفة نحو الغرفة حيث يقبع الإخوة؛ وجدتهم يتواسون بهمسات متقطعة، فأخبرتهم أن الله نظر إلى حالهم اليوم، ولبّى رجاءهم بلمحة من الهدوء. هوى مختار جالساً يتنفس الصعداء، لكنه ظل ممسكاً رأسه بين يديه، بينما شدَّ عمر شعره بيده اليسرى، ورفع يده اليمنى للأم، يهمس لها أن تصمت كي لا توقظ الوحش الكامن على مقربة. التفت مختار برأسه، يحوقل ويسأل بصوت مسموع: هل سيصبرون إن طال أمد هذا الرعب؟ في حين اختار فالح الانسحاب، متدثراً بغطائه متظاهراً بالنوم. خرجت الأم وقد تقطّع قلبها ألماً، لكنها بقيت مطمئنة لما آل إليه الأمر هذه الليلة. تسللت إلى مخزن البيت، راحت تنقب في صناديقها، تفتح كيساً تلو الآخر، حتى عثرت على حصوات بيضاء شفافة تشبه الزجاج، حملتها في قبضة يدها بحرص، وتوجهت إلى ركن في المطبخ، حيث أوقدت موقد جمر صغيراً.
فتحت النافذة ليتسلل منها هواءٌ زاد من اشتعال الجمرات، تركتها حتى كادت تنطفئ، ثم حملت الموقد بما تبقى فيه من جمرٍ متوهج، واقتربت بخطواتٍ وئيدة وخلسة من مضجع ابنها "سنان". ألقت الحصوات الشفافة على الجمرات، فأصدرت هسيساً كاد يخلع قلبها خوفاً من أن يوقظه، تمتمت بكلماتٍ مبهمة ونفثت في حجرها، ثم غادرت الغرفة.
توجهت إلى المطبخ لتتفحص الحصوات التي اكتست بياضاً كالثلج بعدما أذابها الجمر، حاولت أن تستشف منها طيفاً أو ملامح شخصٍ تظن أنه سبب ما حل بها وبابنها، باحثةً عن شكل "عين" تطمئن نفسها بأن ما أصابهم لم يكن سوى حسد. دعت في سرها، ورفعت أكفها للسماء تضرعاً بالخير والعافية لأبنائها، ولم تنسَ أن تدعو بالهلاك على الظالم الذي كان سبباً في معاناتها.
أخفت الموقد الصغير حيث خبأت السكاكين وكل أداة حادة، ثم فرشت غطاءها على الأرض قبالة باب غرفة سنان؛ أرادت أن تكون أول من يعلم حين يستيقظ في غير وقته، وألا يغيب عنها أمره مهما استبدّ به، كي لا يفوتها منه شيء. وضعت رأسها المثقل بالهموم والوساوس، وقبل أن تنهي دعواتٍ يلهج بها لسانها، ساد صمتٌ قطعته حشرجةٌ من صدرها، قبل أن تغط في نومٍ عميق.
فتحت الأم عينيها على أصوات التهليل التي تسبق الأذان بلحظات، ثم تجمدت في مكانها حين طرق مسامعها صريرُ باب الغرفة. كانت تشعر بوجود أحدهم يراقبها طوال الليل، ولم يكن صرير الباب المتكرر بإيقاع ثابت يوحي بمرور الهواء عبر النافذة، بل بوجود كيانٍ آخر. كانت تشعر بألم في ظهرها وعنقها، فقد كان استلقاؤها على الأرض غير مريح لجسدها المنهك. وما إن صدح المؤذن حتى هبت واقفة، وكأن تلك اللحظة الروحانية منحتها القوة والشجاعة لتواجه وجلها؛ فالتفتت فوراً نحو الباب، وما إن توقف الأذان حتى خيّم صمتٌ غير معتاد.
تقدمت لتشعل النور، ورأت أثر سواد عالقٍ بأصابعها، ففركتها بخجلٍ وهي تلهج بالحمد، مستفتحةً يومها بذكر الله طمعاً في فرجٍ قريب. اقتربت من باب الغرفة بحذر، متخلصةً من رهبتها، لترقب ابنها سنان بشفقةٍ لا نظير لها؛ فقد كان يغفو بعمق كطفلٍ صغير، بدا وكأنه لم يجد وقتاً ليرتب فراشه قبل أن يغلبه النوم دون غطاء. ساورتها شكوكٌ بأنه قد يكون مستيقظاً، لكنها سرعان ما تراجعت لتحل محلها رحمة الأم؛ فبعد تردد، أخذت بطانية وغطته بها، ثم عدلت وسادته، وداعبتها رغبة في مسح رأسه لتهدئ من روعه. فجأة، تحركت عيناه تحت جفنيه، فتسمرت الأم في مكانها خشية إيقاظه، وتمتم هو بكلمات غير مفهومة وكأن لسانه معقود، لكنه سرعان ما استرخى وعاد لهدوئه. خرجت الأم في سكينة، وانهمكت في الاستعداد لصلاتها، فافترشت سجادتها ووقفت بخشوع، لا تخلو سجدةٌ لها من دعواتٍ بالستر والعطف تشمل أبناءها جميعاً.
تتسلل إلى المطبخ في هدوء، تنشغل بتحضير الشاي والفطور بمفردها، ولا يُسمع في البيت سوى قرقعة الأواني. تضع الفطور على المائدة وتعدّ الكؤوس، لكنها تتردد كثيراً؛ تخشى أن تضع كوب "سنان" بين الأكواب فيثير في نفسه ريبةً أو يذكي حنقاً. تضعه على المائدة، ثم تعيده إلى مكانه بين الأواني، ثم تتوقف لحظة تفكّر في الصواب، لتعود وتضعه على المائدة مجدداً. تنطلق ضحكاتٌ في الخارج يتخللها صوت أطفال، فتستغرب؛ فالتوقيت أبكر من أن تسمع فيه أصوات الجيران أو المارة. تخنقها غصّةٌ تحاول ابتلاعها فلا تستطيع. تسترجع ذكرياتٍ من ماضٍ بعيد؛ فقبل ثلاثة عقود كان كل شيء جميلاً، وكان "سنان" أكثر أبنائها حيويةً ومرحاً، يملأ صخبه وضحكاته أرجاء البيت. ترتسم على محياها ابتسامة خافتة وهي تستعيد صدى ضحكته، سرعان ما تتحول إلى حزن عميق.
توقظ أبناءها الثلاثة لتناول الإفطار، فينهضون بلا تردّد؛ يُسارع كلٌ منهم للوضوء والصلاة في عجلة، ثم يجلسون إلى الطاولة يلتهمون الخبز ويحتسون الشاي في صمت، لا يكترث أيٌّ منهم للحديث عما عاشوه ليلة أمس، فقد تعلموا أن الكلام لا يزيدهم إلا استنزافاً. لم يكن هناك داعٍ للحديث، فكلٌ منهم يرغب في مغادرة البيت إلى ملاذٍ آخر، يشغل فيه نفسه حتى المساء، ليخلوا البيت لـ"سنان" فيستعيد راحته وطمأنينته.
تنشغل الأم بكل عملٍ ممكن، جُلّه في المطبخ، إذ تنهمك في إعداد وجبة الغداء قبل أن يستيقظ "سنان"؛ فهي لا تشاء أن تزعج نومه، فذلك أخفّ وطأةً عليها من تركه ينام حتى العصر؛ فإيقاظه قسراً يفسد مزاجه ويجعله قابلاً للانفجار في أي لحظة. كانت لا تزال منهمكة حتى سمعت صرير الباب، تلته خطى متثاقلة؛ كانت بطيئة كأنها لشيخٍ هرمٍ يستند إلى عكازه، يقترب الصوت من باب المطبخ، ثم يتوقف للحظاتٍ كأنما يتردّد في الدخول عليها.
حبست أنفاسها في انتظاره، ورسمت ابتسامة متكلفة على محياها لتستقبله ببشاشة، لكن خطواته تجاوزت المطبخ وتوارى خلف باب الحمام. طال مكثه هناك دون أن يصدر عنه أدنى صوت، فتفقدت ضوء الغرفة لتكتشف أنه لم يشعله، وظل قابعاً في الظلام بسكونٍ مريب، قبل أن يتدفق الماء من الصنبور وتنم حركاته عن انشغاله بالتنظيف.
خرج من الحمام ملقياً التحية بعفوية، وسألها عن المنشفة، فأخبرته بمكانها قرب باب الصالة. توجه إليها، ومسح الماء عن وجهه ويديه وأذنيه بتمهل، ثم عاد ليجلس إلى المائدة بينما كانت هي تعيد تسخين الشاي. سكبت لنفسها كأساً واحتستها أمامه قبل أن تضعها، فراقب تصرفاتها بارتياب، وحين اطمأن، صبّ الشاي لنفسه ثم قال معتذراً: "أنا آسف يا أمي على ما حدث بالأمس!". طمأنته بأن الأمر بسيط ولا داعي للقلق، فنهض حين رآها تصرف وجهها عنه نحو الموقد، راغباً في مواساتها، لكن اعتذاره زاد من عجزها؛ فكلما استبد بها اليأس، عاد إليها ليوقد في قلبها شعلة أملٍ جديدة، راجيةً ألا يتكرر ما مضى. قبل رأسها ويديها، وسألها بحيرة: "هل أنتِ بخير؟"، ثم بادر بمسح دموعها بيده رغم ممانعتها، حتى أرغمها على السكون. فجأة، توقف عن ذلك وتوجه إلى الطاولة، ثم التفت ناظراً إلى السقف بحيرة، وتمتم بكلمات غير مفهومة، وسألها بدهشة: "هل يناديني أحد؟". نفت له بقلق، فابتسم بارتباك، وأمسك بالكوب في يده طويلاً، يتأمل الطاولة والخبز قبل أن يرشف منه رشفات متقطعة.
تُنهي الأم إعداد الغداء، وتسأل ابنها إن كان يرغب في تناوله قبل العودة إلى النوم كعادته كل يوم. يطلب منها أن تشاركه الطعام، فتجلس مرغمة إلى المائدة، وتلتقط كسرة خبز تغمسها في إدام الطاجين، فيراقبها حتى تضعها في فمها وتبتلعها. وما إن تهمّ بغمس اللقمة الثانية، حتى يدوّر الطاجين ناحيته ويبدأ بالأكل وقد زال ارتيابه؛ فقد اعتادت أن تفعل ذلك بلا اكتراث، لأنه كان يشك في كل طعام يُقدَّم له ما لم تسبقه هي بالأكل منه.
يظل يحثها على مواصلة الأكل كلما توقفت؛ ورغم فقدان شهيتها، كان إصراره يجبرها على ابتلاع اللقمة تلو الأخرى مكرهة، حتى بلغت حداً لم تعد تقوى فيه على الزيادة فتوقفت. وما إن توقفت، حتى كفَّ هو أيضاً عن الأكل، ونهض دون أن ينبس ببنت شفة، غسل يديه، ثم توجه إلى غرفته واستلقى مغمض العينين. لم يكن نائماً حقاً، فجفناه يرتجفان كأنهما يعزفان نغمة تجعلهما يتراقصان، بينما كان هو معلقاً بين النوم واليقظة؛ جزءٌ منه نائم، وآخر يُحصي أنفاسه ودقات عقرب الساعة المعلقة على الحائط.
دنا المساء ومالت الشمس نحو المغيب، فشعرت الأم باختناق شديد، وتملكها التوتر وهي تنتظر استيقاظ "سنان"، تخشى أن يخطفه الموت منها في نومه، فهي لطالما ساورتها وساوس التشاؤم من النوم في وقت الأصيل. تفتح النوافذ فيزداد ضيق صدرها، وكأن أنفاسها تضيق كلما زاد عدد النوافذ المفتوحة. تتنفس بصعوبة، فتأخذ عباءتها ولحافها وتخرج إلى حديقة عامة قريبة من المنزل حيث تجلس بعض معارفها؛ تريد أن تحظى بلحظةٍ لا يتذكر فيها عقلها شيئاً من هذا كله، فكثيراً ما كانت تفلت من قبضته بهذه الطريقة، لتنعم ببعض السكينة.
ما إن غادرت فنة البيت حتى التقت بها جارتها "رحمة" تسأل عن حالها، فتبادلتا أطراف الحديث باقتضاب؛ تشتكي كل منهما من سرعة الأيام وكثرة الانشغال، دون أن تفصحا عن تفاصيل ما تعيشانه من هموم. وحين سألتها عن ابنها "سنان"، آثرت فنة تجاوز الموقف بكذبة صغيرة، مؤكدة أن كل شيء على ما يرام وأنها تحمد الله على حالها.
وصلت فنة إلى الحديقة التي كانت تضج بصخب الأطفال، بينما افترشت العجائز والنسوة الأرض في تبادل للأحاديث، مستمتعات بنسيم الغروب العليل. ألقت فنة التحية على بعضهن وجلست تشاركهن الحديث بابتسامة يغلفها التعب، بينما كان قلبها يلهج بالدعاء في كل لحظة صمت بأن يرفع الله عنها ما حل بها من بلاء.
وبينما كانت تضحك غير آبهة بما حولها، سألتها إحدى النسوة بتوجس إن كان القادم هو ابنها "سنان"؛ لم تسمح الأم لنفسها بأن تثير ريبتهن، وظلت هادئة تنتظر وصوله قبل أن تنهض. وما إن وقف على بضعة خطوات منهن حتى ساد صمت بين الحاضرات؛ نهضت الأم فاستقبلها باحتضان وتقبيل يدها ورأسها. اختلفت ردود فعل النسوة بين متهكم على الموقف ومستبشر بمشهد البر الذي تراه أعينهن. أخبرها "سنان" أنه فزع حين لم يجدها في البيت، فطمأنته بأنها بخير، فطلب منها الجلوس على الأرض، لكنها شعرت بالحرج من رفيقاتها وطلبت منه العودة إلى المنزل. غير أنه أصرَّ بعناد لم تستطع مقاومته، فامتثلت له، وجلس قريباً منها يمازحها ويلاطفها حتى تعالت ضحكاتها، وتسلل الفرح إلى نفسها.
فجأة، توقف نظره إلى الجانب الأيمن من جسدها. ظنت أنه رأى شيئاً خلفها، فتوجهت برأسها وجذعها لتتفقد الأمر، لكنها لم ترَ شيئاً غريباً. سألت بهدوء عما يساوره، لكنه لم يرد، بل ظل مثبتاً نظره على كتفها. اعتقدت الأم أنه شارد الذهن، فحاولت إيقاظه بضغط يدها على فخذه، وطلبت منه أن يطمئنها. لكنه بقي صامتاً حتى بدأ يتحدث بكلمات غير مفهومة، إذ سرعان ما تحولت تمتماته إلى صرخات لفتت انتباه المحيطين به. كان يقول بصوت مرتعب: "لا تلمسها.. ابتعد! لا تفعل أيها الحقير.." تغير لون وجهها كأنه يقترب منها أكثر، وتجمّد الدم في عروقها وهي تصرخ: "سنان! سنان! ولدي..! ما بك؟ سنان!" بدت كلماتها كأنها لم تصل إلى عقله، كأنه غارق في عالم آخر. تراجع قليلاً وكأنه يحاول جذب انتباه شيء ما، ثم اندفع بقوة دون أن يترك لها فرصة. اتسعت بؤبؤا عينيه بشدة، كأن عالماً مظلماً جذباه إليهما، ثم أحاط برقبتها بيديه وهو يقول: "توقف! توقف..." أرادت الأم أن تصرخ بكلماته، لكن يديه أطبقتا على عنقها، مختنقتين كل نفس لها. حاولت أن تدفعه بعيداً بلا جدوى، فقد كانت ملقاة على الأرض، تتشبث بالحياة عبر دفع يديه بيديها، وتحاول دفع جسده برجليها. لكنها كانت ضعيفة أمامه، بينما هرعت النسوة إليهما، وواجهنه بكل قوتهن في محاولة لسحبه. كان قوياً جداً، كأنه يتألف من قوة عدة أشخاص. علا الصراخ والتشويش، وتجمع الجميع حولهما، ولم يشعر أحد إلا وقد سحب يديه عن عنقها في ذهول، وهو يصرخ: "أنقذوها منه! إنه يقتلها.. سيقتلها!" ظل سنان يحدق في الفراغ طويلاً، يلهث بينما كان الجميع يوبخونه ويلومونه، لكنه بقي لا يصغي لكلماتهم وشتائمهم، كأنه أصم. وظل واقفا يقول: "أبعدوه عنها! أبعدوه عنها!" حاولت الأم استعادة وعيها بعد أن كادت تموت من الاختناق. رفعت يدها لتطمئنه، لكنه فرَّ من الحديقة مُطلقاً صرخاتٍ مبهمة، بينما انكبَّت النسوة على مواساة الأم المسكينة، يسألنها عما جرى، وهي عاجزةٌ عن وصف ما حدث.