تفاصيل العمل

في نوفمبر عام ١٩٦٠ في سوريا، كان محمد وصديقه يوسف يقفزان فرحاً عندما علما أن المدرسة ستنظم رحلة مدرسية إجبارية للذهاب إلى السينما، والهدف كان المشاركة في حملة تضامنية لدعم الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. كان محمد منبهراً بدخوله قاعة السينما التي طالما سمع عنها، ولكنه كان يلمح قلقاً غير مبرر في أعين صديقه يوسف، الذي لم يعرف لماذا شعر فجأة بانقباضة في صدره. لم يبالِ محمد لهذا، فطالما كان يوسف خائفاً من الفرح وما يعقبه من أحزان متتالية. مدرستهما كانت من بضع مدارس في بلدة عامودا التي سيذهب طلابها لحضور العرض السينمائي.

​في صباح اليوم الموعود، استيقظ محمد قبل موعده واستعد وذهب لصديقه الذي ظهر عليه الخوف أكثر من اليوم السابق، وقال له إنه لا يريد الذهاب وسيظل مع أمه وأخته الصغيرة. لكن محمد ظل يقنعه حتى وافق، وخرج وعيناه معلقتان بأمه وأخته. وعند وصولهما، وجدا عدداً هائلاً لمكان كان المفترض أنه يتسع لمئتي شخص فقط! نظر يوسف لصديقه وضغط على يديه وقال له: "إذا حدث مكروه، أرجوك اعتني بأختي وأمي". تبخر صوت ضحكات محمد مع الضوضاء، ولا يدري محمد لماذا يبالغ يوسف هكذا، إنه من المفترض يوم ترفيهي. لم يتمكن محمد من طمأنة صديقه، فبسبب الازدحام تاهت أقدامهما وافترقا. كان المدخل ضيقاً جداً وهم يدخلون، والأماكن لم تتسع للجميع، وضاع أملي أن أعثر على صديقي وسط الزحام، وخاصة بعد غلق الأبواب وإغلاق الأنوار وتشغيل الفيلم.

​ولم يمضِ نصف ساعة حتى سمعنا صوت فرقعة، وانقطع التيار وأظلمت الشاشة، وساد الظلام قاعة العرض، وأصبحنا جميعاً نتخبط. صرت أنادي بأعلى صوتي على صديقي، وكان الجميع يهتف بصوت عالٍ كي يفتحوا الأبواب، خاصة وقد بدأت النار تشتعل وأصبحنا نشعر بالاختناق. كان المكان به أربعة أبواب، ولكن لم يُفتح غير الباب الذي كان بجانبي، ذلك الباب الذي لم يكن بيني وبينه بضع أمتار. أصبحت أقاتل لأصل إليه، كنت وأنا أجري أشعر بأجساد تحت قدمي، قذفت من الباب وقد ارتمى فوقي طلاب متدافعون من الداخل ووقعت، وسمعت صوت فرقعة ولكن هذه المرة كانت داخل جسدي! لقد سُحقت قدمي وذراعي اليسريان، ولم يسلم وجهي الذي بدأ ينزف بعد أن دعسته الأقدام التي تهرب لتنجو. جاهدت لأقف، ولكن كان التدافع يدفعني أبعد وأبعد؛ باب صغير يتسع لشخص واحد يخرج منه حوالي خمسمائة شخص هرباً من الحريق والنيران المشتعلة. كنت أمسح الدم السائل على وجهي لكي أستطيع أن أرى يوسف في الخارجين، لكنني لم أجده، وظلت واقفاً حتى توقف الخارجون، وبدلاً منهم بدأت تخرج النيران وألسنة اللهب، وبدأ الجميع بالحوقلة فقد احترق الباقون في الداخل.

​تجمدت الدموع في عيني ولا أدري كيف كنت أسير على قدمي المحطمة، ولا أحد يدري أن تلك النار المشتعلة لا تكون شيئاً بجانب التي بداخلي، والتي أريد أن أحرق بها كل رجال الأمن والعمال الذين كانوا يقفون يشاهدوننا دون حركة، وكأننا كنا الفيلم الذي سيستمتعون به!

​انتهى العرض، وانتهى معه صديقي وحوالي مائتي طفل في ذلك الحريق، ولم يُلام أحد على تلك الحادثة. ورغم صغر سنّي شعرت أنني كبرت مائة عام، ولم أنسَ وصية صديقي لي في ذلك اليوم، ووفاءً له كنت الابن لأمه المكلومة والأخ والرفيق لأخته.

​واليوم، بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً، أجلس في الشرفة مع يوسف ولدي، أحكي له عن ذلك اليوم الذي ذهب فيه خاله وكان يشعر أنه لن يعود أبداً.

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة