تفاصيل العمل

سيناريو وثائقي سياسي وفلسفي (Video Essay)، مكتوب بلغة عربية فصحى رصينة وقوية،مدعم بالأمثلة التاريخية والإحصاءات المعاصرة.يناقش السكريبت التلاعب السياسي واللغوي في صياغة الجرائم دولياً. يهدف النص إلى إسقاط الأوهام العنصرية وتوضيح أن الجريمة لا وطن لها، ولا تُزرع في الجينات أو الجغرافيا، بل هي فعل بشري يرتبط بالمستوى الأخلاقي والضمير وليس بالمستوى المادي أو العرقي. كما يفكك النص كيف تملك القوى الكبرى "أدوات السرد" التي تُحوّل جرائمها الكبرى إلى "تاريخ وتفوق" وجرائم الأفراد في الغرب إلى "أساطير سينمائية"، بينما تُختزل شعوب أخرى في قوالب نمطية معادية.

اليوم، وبينما كنت أتصفّح هاتفي بلا قصدٍ ولا رغبةٍ في البحث، ظهر أمامي مقطع مصوَّر يتناول مسألة السرقة، قُدِّم في صورةٍ ساخرة خفيفة، ضاحكة في ظاهرها، لكنها كانت في عمقها ثقيلة، قاسية، ومُهينة. كان المقطع يعرض مقارنة مباشرة بين ما سُمّي “سرقات الدول الأجنبية” وما نُسب إلى “الدول العربية”، وفي لحظات قليلة، دون دليلٍ أو سياق، جرى تثبيت فكرة واحدة: الأجنبي يسرق بذكاء، والعربي يسرق لأنه عربي. ضحكتُ أول الأمر، ثم انطفأ الضحك سريعًا، لأن السخرية حين تتحوّل إلى تعميمٍ ثقافي لا تكون نكتة، بل تصبح حكمًا أخلاقيًا متعاليًا، يُريح قائله ويُجرّد غيره من إنسانيته.

المشكلة في هذا الخطاب أنه لا يناقش السرقة بوصفها فعلًا بشريًا، بل بوصفها هوية. وكأن الجريمة تُورَّث في الجينات، أو تُكتب في اللغة، أو تُزرع في الجغرافيا. والحقيقة التي يتجاهلها هذا النوع من الطرح أن السرقة لم تكن يومًا سلوك شعب بعينه، ولا سمة حضارة دون أخرى، بل كانت فعلًا إنسانيًا قديمًا قِدم الحاجة، سابقًا على القانون، سابقًا على الدولة، وسابقًا حتى على مفهوم الملكية نفسه. الإنسان أخذ بالقوة قبل أن يضع الحدود، واعتدى قبل أن يكتب القوانين، ولهذا فإن التاريخ لا يخبرنا عن “أول سرقة”، بل يخبرنا عن أول محاولة للحد منها.

أقدم ما وصلنا من نصوص قانونية مكتملة، مثل شريعة حمورابي، لا يُمكن قراءته بوصفه دليلًا على مجتمع منضبط أخلاقيًا، بل على مجتمع مضطرب حاول أن يضبط نفسه. فالشريعة لا تكتفي بالإشارة إلى السرقة، بل تفصّلها تفصيلًا دقيقًا: سرقة المحاصيل، سرقة الماشية، سرقة العبيد، سرقة ممتلكات الأفراد، وسرقة ممتلكات المعابد والقصور، بعقوبات قاسية تصل إلى الإعدام. هذا التفصيل لا يظهر إلا حين تكون الجريمة شائعة ومؤثرة وخطيرة. ثم جاءت الألواح السومرية والأكادية لتكشف عن سجلات فقدان، وشكاوى رسمية، وعقود تحذّر من الاستيلاء، وأسماء جناة، وأوصاف مسروقات، ما يعني أن السرقة لم تكن فعلًا فرديًا عابرًا، بل ممارسة منظمة تُسجَّل وتُناقَش وتُعالج.

ومع تطوّر المجتمعات، لم تختفِ السرقة، بل تطوّرت معها. حين كبرت الدولة، كبرت الجريمة. وحين توسّع الاقتصاد، توسّعت أطماع الاستحواذ. وحين ظهرت المؤسسات المالية، ظهر السطو المنظم. في القرن التاسع عشر، سُجّلت أولى عمليات السطو المسلح الموثقة على البنوك في الولايات المتحدة، مثل عملية جيسي جيمس عام 1866، حيث اقتُحم بنك في وضح النهار، وسُرقت أموال، وسُفكت دماء، ثم تحوّل الفاعل في الذاكرة الشعبية إلى “أسطورة خارجة عن القانون”. لم يُوصَم المجتمع الأمريكي، ولم تُربط الجريمة بطبيعته، بل قُدِّمت كحادثة استثنائية، بل جرى تلميعها لاحقًا في الأدب والسينما.

وفي روسيا القيصرية وأوروبا الشرقية، استُخدمت سرقة البنوك أحيانًا كوسيلة تمويل سياسي، كما في عملية بنك تفليس عام 1907، حيث استُخدمت القنابل في قلب المدينة، وسقط مدنيون، وسُرقت مبالغ ضخمة، ومع ذلك أُعيد توصيف الجريمة لاحقًا بوصفها “ضرورة ثورية”. هنا لم تُنفَ السرقة، بل أُعيدت تسميتها، وكأن اللغة قادرة على تخفيف ثقل الفعل حين يخدم غاية أكبر.

أما في العصر الحديث، فالأرقام وحدها كافية لإسقاط أي وهم. في إنجلترا وويلز تُسجَّل أكثر من 530 ألف حالة سرقة سنويًا، تشمل سرقات المنازل والمتاجر والسيارات والجيوب. في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، تُعدّ سرقات الجيوب ظاهرة يومية في المدن الكبرى، حتى أصبحت جزءًا من التحذيرات السياحية الرسمية. في دول شمال أوروبا، التي تُصنَّف بين الأعلى رفاهًا في العالم، ترتفع معدلات السرقة قياسًا بعدد السكان، لا بسبب الفقر، بل بسبب عوامل تتعلق بالتفكك الاجتماعي، وضعف الردع، واتساع الفجوة بين الفرد والمجتمع. هذه الأرقام موثقة، معلنة، ومع ذلك نادرًا ما تُحوَّل إلى خطاب أخلاقي يطعن في هوية هذه الشعوب.

هنا يظهر التناقض بوضوح: السرقة في الغرب تُناقَش بوصفها خللًا أمنيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا، أما في الخطاب الذي يستهدف العرب فتُسحب من سياقها، وتُزرع في جوهر الإنسان نفسه، وكأن العربي يسرق لأنه عربي، لا لأنه إنسان يعيش ظروفًا، ويخطئ، ويضعف، مثل غيره. الغرب يملك أدوات السرد، فيفصل بين الجريمة والهوية، بينما يُحرَم غيره من هذا الفصل، فيُختزل في صورة نمطية سهلة التداول.

والأشد قسوة أن هذا الخطاب يتجاهل سرقات أكبر، أوسع، وأعمق أثرًا، لا تُسمّى سرقة لأنها ارتُكبت باسم القوة: نهب الموارد، سرقة الآثار، سرقة الأراضي، سرقة عرق الشعوب ووقتها وحياتها. هذه الجرائم، حين تُرتكب على نطاق واسع وبغطاء سياسي، لا تُقدَّم كسرقة، بل كـ “تاريخ” أو “تقدّم” أو “تفوق حضاري”.

والحقيقة التي لا تُقال بوضوح هي أن السرقة ليست مسألة ثقافة ولا عِرق، بل مسألة ضمير حيّ أو معطّل، وعدالة حاضرة أو غائبة، ومسافة بين القانون والأخلاق. حين يضعف الضمير، أو تختل العدالة، أو ينفصل الإنسان عن معنى الحق، تظهر السرقة، في أي مكان، وبأي لغة، وتحت أي علم.

لهذا فإن اتهام أمة كاملة بسلوك إنساني عام ليس تحليلًا، بل اختزال مريح لمن لا يريد أن يفهم، وراحة زائفة لمن يريد أن يشعر بالتفوّق دون أن ينظر في المرآة. فالسرقة سبقت القانون، نعم، لكن الأخلاق وحدها هي التي تسبقها أو تردعها، وحين تنهار الأخلاق، لا ينجو أحد، مهما اختلفت الأسماء والخرائط.

ولو كان للسرقة وطن، لما كان شرقًا ولا غربًا، بل كان الإنسان نفسه.

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز
المهارات