تفاصيل العمل

تنطلق «حدائق السمو المعلّقة» من استحضار إحدى أكثر الأفكار رسوخًا في الذاكرة المعمارية الإنسانية، وهي حدائق بابل المعلّقة، لا بوصفها نموذجًا تاريخيًا يُعاد إنتاجه، ولا أثرًا بصريًا يُستنسخ، بل كمنظومة فكرية متقدمة سبقت زمنها، جمعت بين الطبيعة والإنشاء، وبين التدرج المكاني والتجربة الوجدانية، وبين الخيال الهندسي وإمكان تحويل الفكرة إلى واقع حيّ.

لم تكن قوة بابل في شكلها أو صورتها، إذ إن حقيقتها التاريخية ما تزال محل جدل، بل في جوهر الفكرة التي حملتها؛ فكرة التدرج الرأسي، والارتباط العضوي بالخامات الأرضية، وصناعة تجربة مكانية تُدرك عبر الحركة لا عبر المشاهدة الثابتة. من هذا المنطلق، لا يُعاد استحضار بابل هنا كصورة، بل كمنهج في التفكير المعماري يُعاد تأويله بلغة معاصرة تحفظ روحه وتمنحه حياة جديدة.

وانطلاقًا من ذلك، يقوم المشروع على فلسفة مراحل الحياة الإنسانية، حيث لا تُفهم المستويات المعمارية بوصفها مصاطب إنشائية، بل كمحطات رمزية تمثل تحولات الإنسان في مسار نموه. تبدأ من الجذور والبدايات الأولى، مرورًا بالاكتشاف والتجربة والتحدي، وصولًا إلى النضج الفكري والوجداني، ثم إلى مستويات أعمق من الصفاء والإدراك. وبذلك يتحول الصعود داخل المشروع من حركة مكانية إلى رحلة إدراكية، يكون فيها الارتقاء تطورًا في الوعي بقدر ما هو ارتفاع في الجغرافيا.

أما اختيار بابل كموقع للمشروع، فلم يكن انحيازًا جغرافيًا أو انتماءً مكانيًا، فالمشروع ينتمي إلى اليمن هويةً وثقافةً، غير أن الاختيار هنا كان انتماءً للفكرة ذاتها. لقد شكّلت بابل نقطة التأسيس الأولى لهذا التصور المعماري، ومصدرًا لإحدى أكثر التجارب تأثيرًا في تاريخ العمارة. ومن الطبيعي أن يعود المشروع إلى منبعه الفكري الأول، حيث يكتسب صدقه وعمقه واتساقه مع سياقه التاريخي.

كما أن نقل المشروع إلى سياق جغرافي مختلف كان سيؤثر في بنيته المفاهيمية؛ فالمكان ليس خلفية محايدة، بل عنصر فاعل في تشكيل التجربة. فالنهر مثلًا ليس عنصرًا بصريًا ثانويًا، بل مكوّن أساسي في المنظومة، بوصفه رمزًا للحياة واستمراريتها، ومصدرًا عضويًا يغذي الفكرة كما يغذي الأرض. ومن هنا، فإن العلاقة بين المشروع والماء ليست علاقة جمالية فحسب، بل علاقة وجودية تربط الفكرة بجذرها الطبيعي الأول.

وعليه، فإن اختيار الموقع لا يُفهم كقرار جغرافي، بل كقرار مفاهيمي. فالمعمار، في جوهره، لا ينبغي أن يُقيد بحدود المكان، كما لا ينبغي للفكر أن يتوقف عند الحدود السياسية. وإذا كان التصميم المعماري يتجاوز القوالب الجامدة، فإن الفكرة المعمارية بطبيعتها أوسع من الخرائط، وأكثر قدرة على الامتداد خارج الإطار الجغرافي دون أن تفقد انتماءها أو معناها.