مقال نابع عن خبرة شخصية
ثم يأتي الليل،
ذلك الوقت الذي يسقط فيه القناع، ويلقى الدرع جانبًا، ويختفي صخب العالم، لتبدأ الحرب الحقيقية.
حربٌ لا يشهدها أحد، ولا تُسمع فيها صرخات،
لكنها تمزّق الروح بصمت.
هي الحرب التي يخوضها كل إنسان مع نفسه!
مع خوفه، وضعفه، وذكرياته،
مع ذلك الصوت الخفيّ الذي لا يتوقف عن الهمس: “اهرب… فقط اهرب.”
فيستسلم الكثيرون.
يهرب بعضهم إلى طلب التعاطف والاهتمام بعلاقاتٍ مشوّهة يسندون بها فراغ أرواحهم،
ويهيم آخرون في غيبوبة المخدّر والمسكر،
بينما يدفن غيرهم ألمه تحت الشهوات، والنزوات، والأفكار المظلمة التي تلتهم القلب ببطء.
لكن هناك ذلك المحارب
الذي يدرك أن النجاة ليست في الهروب، بل في المواجهة.
ذلك الذي يجلس وحده في عتمة الليل،
وجهًا لوجه أمام شيطانه
يرتجف ويصرخ بصمت
يبكي، حتي يملئ اليأس قلبه كأنسان سيعدم غداً!
ولا يبقى له إلا عينان مثقلتان بالخذلان، وروحٌ منهكة، ويدان ترتفعان إلى السماء، في استغاثةٍ لا يسمعها إلا الله.
وحين يبلغ الألم مداه، وتوشك الروح على السقوط، تأتي الرحمة
هادئة، خفية، دافئة،
فتربّت على قلب متعب،
وتهبه سلامًا يكفي لينام حتي الصباح.
ليستيقظ من جديد، يحمل جراحه بصمت،
ويرتدي قناعه ودرعه مرة أخرى،
ويخرج لمواجهة العالم كأن شيئًا لم يكن.