تفاصيل العمل

كانت مقاعد المقهى الخشبية المتهالكة تشهد على تسلل خيوط الشمس الذهبية عبر الزجاج العتيق، معلنةً عن بداية يوم خريفيٍ رقيق في زقاق "الياسمين". في تلك الزاوية القصية، جلست "ليلى" تعبث بطرف وشاحها الصوفي، وبين يديها رواية لم تقلب صفحتها منذ نصف ساعة. كان ذهنها شاردًا في تفاصيل رسالة ورقية قديمة مخبأة في حقيبتها، رسالة لم يكتبها سوى "آدم".لم يكن "آدم" مجرد ذكرى عابرة، بل كان النغمة التي لم تفارق مسامع قلبها منذ عامين. رحل آدم لمتابعة دراسته في الموسيقى وراء البحار، تاركاً خلفه وعداً واحداً: "سأعود حين يكتمل لحني".فجأة، انكسر هدوء المقهى بصوت جرس الباب. ارتجفت يد ليلى حين رأت ظلاً مألوفاً يخطو نحو الداخل. لم تكن بحاجة للنظر إلى وجهه لتعرفه؛ فرائحة عطره الممزوجة برائحة المطر والتبغ الخفيف كانت تسبقه دائماً. وقف آدم أمام طاولتها بصمت، كانت نظراته مزيجاً من الندم والاشتياق والشوق العارم."هل ما زلتِ تقرئين نفس الرواية يا ليلى؟" قالها وصوته يحمل بحةً دافئة أيقظت في روحها آلاف الحكايات. رفعت رأسها ببطء، والتقت عيناهما في لحظة توقف فيها الزمن. لم تعد تسمع ضجيج المارة ولا قرقعة فناجين القهوة؛ كان العالم كله قد انحصر في تلك المساحة الضيقة بينهما.ابتسمت ليلى بمرارة ممزوجة بلهفة، وأجابت: "الروايات الجميلة لا تنتهي يا آدم، نحن فقط نتوقف عن القراءة لنلتقط أنفاسنا". جلس آدم في المقعد المقابل، ووضع حقيبة كمانه السوداء على الأرض بعناية، وكأنه يضع قلبه بين يديها.بدأ آدم يتحدث عن غيابه، عن الشوارع الباردة التي جابها وحيداً، وعن الألحان التي كان يؤلفها في مخيلته وهو يتخيل وجهها في ضوء القمر. كان كلامه يتدفق مثل نهرٍ من المشاعر، يغسل جدران الجفاء التي بناها الوقت. أخبرها كيف أن كل معزوفة قدمها على مسارح أوروبا كانت في الحقيقة رسالة مشفرة لها، وكيف أن النجاح لم يكن له طعم دون وجود عينيها في الصف الأول.مرت الساعات وكأنها ثوانٍ. في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن الحب الحقيقي ليس هو الذي لا يرحل، بل هو الذي يجد طريقه دائماً للعودة، مهما طالت المسافات أو تعقدت المسارات. الحب هو ذلك "اللحن" الذي اكتمل أخيراً بلقائهما.حين همّا بالرحيل، مالت الشمس نحو الغروب صابغةً السماء بلون الأرجوان. أمسك آدم يد ليلى برفق، وقال: "هذه المرة، لن أؤلف لحناً وحدي". مشيا معاً في الزقاق الضيق، تاركين خلفهما المقهى ورواية لم تعد بحاجة لأن تنتهي، لأن قصتهما الحقيقية قد بدأت للتو تحت ظلال أشجار الياسمين.

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
عدد المشاهدات
4
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز
المهارات