*مقال أصل المظاهر الرمضانية(فانوس رمضان)*
_جملة الديزاين: "الفانوس" من مصر، لكل العالم._
المقال:
كيف انتشر فانوس رمضان من مصر، لجميع أنحاء العالم؟
داخل تلك الذكريات التي عِشناها في طفولتنا، لابد أن يستوحذ شهر رمضان الفضيل على النسبة الأكبر منها، أجواءٌ مِلؤها البركة، قلب عامر بذكر الله، شملٌ وروح تفيض بالمحبة في كل منزلٍ، وشوارع تضيء في الليل لتنبض بالحياة من جديد.
وكان دائمًا فانوس رمضان رمزًا شعبيًا وحمل تراثًا كبيرًا في داخله، وسنهيم اليوم في رحلة تاريخية لنتعرف عن قُرب، بذلك الرمز الجميل الطلة.
بين ثنايا العصر الفاطمي، في فترة حكمِ أحد أبرز أعلام تلك الحقبة ومؤسسيها "المعز لدين الله الفاطمي"..
في إحدى الحوادث الشهيرة التي حدثت في ليلة اكتمال قمر رمضان في العام (362 هجري) قد وصل موكبه إلى أعتاب القاهرة في ليلٍ مظلمٍ حالك. استقبلته الأهالي بحفاوة بالِغة وسعادة وأضاءوا مع قدومه المصابيح التي انتشرت في عصرهم، والتي أطلِقَ عليها فيما بعد "الفانوس".
وجاء تسميته بهذا الاسم اقباسًا من لفظة يونانية الأصل وهي (Phanos) وتعني المشعل المضيء، لذا تمت تسمية الفانوس الرمضاني بهذا الاسم وصارت كلمة دارجة في لغتنا اليومية..
أما عن التصميم الفريد من نوعه لذلك الفانوس.. فقد اهتم للغاية النحاتون والنجارون، بتقليد ما حولهم من تحف معمارية قد وصل فيها مهندسو هذا العصر، لجمال وروعة لم يصلها معماريون قبلهم، فاستنبط النحاتون صُنع الفانوس من المساجد التي بُنِيَت آنذاك، فهي دمجٌ في أعلاها بين القُبة والمئذنة الرئيسة لكل مسجد، أما الانحناءات في الشكل العام للفانوس، فلم تكن وليدة الصدفة، بل صممت بدقة لتعكس نورَ الشموع بداخلها وتجعل المصباح (الفانوس) مضيئًا ويمثل ضيًّا كنجوم السماء بين أيدي الناس!.
ولم يقف هذا الرمز عند حدود الجغرافيا المصرية، بل بدأ رحلة اغترابٍ مبهجة ليغزو القلوب قبل البلدان؛ فمن أزقة القاهرة العتيقة، انتقل الفانوس عبر قوافل التجار والرحالة إلى بلاد الشام وبلاد المغرب العربي، ومنها انتشر كالنار في الهشيم ليكون سفيرًا لتلك الروح والصنع الفريد المتقن في كل بقعة يحل فيها هلال رمضان.
ومع مرور القرون، لم يعد الفانوس مجرد أداة للإضاءة، بل أضحى لغةً عالمية يفهمها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، معلنةً عن هويةٍ حضاريةٍ تأبى الانطفاء.
وفي قلب القاهرة، وتحديدًا في حي يدعى "تحت الربع" العتيق، نشأت طائفة من الحرفيين الذين وهبوا حياتهم لخدمة هذا الضوء؛ فتحول صنعه في البادئ من "الصفيح" الأصم بين أيديهم إلى قطع فنية تنطق بالجمال. برع هؤلاء الصنّاع في مزج المعدن بالزجاج الملون الذي يُصبغ يدويًا، لتخرج لنا أنواعٌ صارت بمرور الوقت علاماتٍ مسجلة.. مثل: فانوس "البرلمان" بضخامته وهيبته، وفانوس "فاروق" الذي يزهو بزخارفه الملكية، وفانوس "المخمس" و"المسدس"، لتشكل هذه المسميات أرشيفًا بصريًا حكى قصة تطور المجتمع المصري..
ومما يُروى في غرائب التاريخ عن النظريات التي تخص الفانوس، أن الفانوس في فتراتٍ معينة لم يكن مجرد خيارٍ للاحتفال فقط، بل صار "أمرًا قانونيًا" وضرورةً اجتماعية؛ ففي عهد "الحاكم بأمر الله" صدر مرسومٌ يقضي بألا يخرج الناس ليلاً في رمضان إلا ومعهم فوانيس تضيء طريقهم، وكان الهدف حينها تأمين الشوارع وبث الطمأنينة في القلوب.
والحادثة الأكثر شهرة وتأثيرًا في ثبات الفانوس كعادةٍ للأطفال، هي ما عُرف بـ "موكب الفوانيس النسائي" حيث كان يُمنع خروج النساء قديمًا إلا في ليالي رمضان، وكان يُشترط أن يتقدم الموكب طفلٌ يحمل فانوسًا ضخمًا لينبه المارة فيفسحوا الطريق، فتعلق الأطفال منذ ذلك الحين بحمل الفوانيس، وتحولت "الوظيفة التنظيمية" إلى "بهجة طفولية" تتوارثها الأجيال.
ولم يقتصر أثر الفانوس على كونه ضياءً للمارة، بل كان "أداة إعلامية" للمسحراتي؛ فقد كان المسحراتي يعلق فانوسًا ضخمًا فوق أعلى مئذنة في الحي، فإذا أُطفئ الفانوس علم الناس أن وقت السحور قد انتهى وأن الفجر على الأبواب، ليكون الفانوس بذلك هو "ساعة المدينة" التي تضبط إنذار بدء الصيام!
لا يمكن الإنكار بأنه "الفانوس" كان ولازال رمزًا احتل القلوب قبل أن يجوب المدن والأزقة.. وتطور ومر بالعديد من التغيرات حتى صار بتلك المكانة في عصرنا الحالي..
إعداد/علي الطليمي. اشتغلت ان يكون الديزاين بسيط وفى نفس الوقت يوضح المقال