تفاصيل العمل

هذا ما يفعله بك فقدان محبوبك ، اذ يحلل ذاتك العظيمة الى ذرات تراب ويظهر لك ذاتك الاخرى التي هي ذات المحبوب

#جلال الدين الرومي

الإنصهار الأخير

بداية سوف يتغير العالم ببطئ شديد

ثم كهزة قوية تحت الأرض التي يتكئ عليها بدنك

ستشعر بها تتشقق ويتصدع سطحها الذي تلامسه

وبعد أن كنتَ صلبا ستتحطم لملايين الشضايا .

هذه هي الكارثة الداخلية الصامتة التي تصاحب الفراق

يبدو الأمر كما لو أن ذاتا عظيمة بنيتها بدقة عالية على مر السنين

بالأمل والأحلام والضحكات المشتركة والمودة..

ثم تذوب فجأة وسط حمم من الأنين

ستحتار في نفسك أنذاك

هل أنت مثل العدم

أو مثل ذرات من الغبار تتطاير بلا وجهة

أنت الآن تطفو في الهواء بلا هدف تحاول أن تستنشق الضوء في نظرة حزينة

تشعر بتمزقات عميقة في ذاتك التي كانت فيك موجودة أثناء وجودهم

ال "أنا" التي تضاعفت سعادتها بوجودهم والتي خففت أحزانها بذكرياتهم

تلك ال"أنا" لم يعد لها أي نقطة إرتكاز

إنها حرية مرعبة

هذا الإنعدام المفاجئ للوزن في الروح مدمر بشكل صامت

تبحث عن إنعكاسك الخاص وبدلا من ذلك تجد صورة متلألئة شفافة ليست لك تماما

ولكنها مألوفة بشكل غريب

هذه هي اللحظة التي تظهر فيها الذات الأخرى

ليست ذاتا جديدة

بل ذات كانت مخفية سابقا ومنسوجة بشكل لا يختلف عن نسيج المفقود

إنها الذات التي رأت من خلال نظراتهم وشعرت من خلال قلوبهم و اختبرت العالم من خلال فضفضاتهم وأحسّت

بالرغبة في الأمل من خلال أفكارهم

ذات تحمل غرابتهم عاداتهم الهادئة نزاعاتهم ضحكاتهم آلامهم وحتى وحدتهم ودموعهم

كل ذلك يصبح صدى مريب وغريب و لذيذ داخل كيانك الخاص

تجد نفسك تستخدم عباراتهم وتتذكر مصطلحات أتت من أفواههم وتتبنى سلوكياتهم

بل وحتى تفكر بأفكارهم كما لو كانت أفكارك الخاصة

لن تنظر إلى الحياة بعد ذلك بعينيك .. بل بعيونهم

ولن تشعر بالاشياء بقلبك .. بل بقلبهم

وكل نفس تستنشقه سيكون فيه طعم وجودهم

إنه نقل أرواح مزعج ولكنه مريح بشكل ما

يصبح ألم الغياب مثل قصيدة تصوغ هذه الهوية الجديدة المتشابكة المتناقضة

يستقر نحيب ذاتك المحطمة فيك ولا يختفي منك

يخلق لنفسه أرضا خصبة ليزدهر جوهر المفقود بداخلك الذي أبى إلا ان يصبح أرشيفا حيا في ذكراك

أنت لم تعد أنت

بل اصبحت وعاء لروحهم الساكنة فيك

العالم الذي كان نابضا بالحياة بوجودهم

يحمل الآن ذوقا حلوا ومرا في نفس الآن

مرسوما بالألوان الجميلة والسوداء

مسموعا باصوات الاطفال وصخبهم اثناء تبعثرهم عند ساحات المدارس

هذه الرحلة عبر صدى الفقد ليست عن النسيان

بل هي الذكرى بكل تفاصيلها

إنها الإدراك الحقيقي على أن الود لا ينتهي حتى لو انتهت آخر الانفاس في الوجود

هذا التحول يتجاوز الجسد ليسكن في أعمق غرف كيانك

وفي هذا الفضاء الهادئ المؤلم

تدرك أن أجمل جزء من "ذاتك" لم يكن مجرد انعزاليتك في قبو ذكرياتهم

بل النسيج الرائع المنسوج من خيوط وجودكما المشترك في الدواخل التي لا تُرى

لم تعد انت مجرد أنت

فأنت اصبحت "شهادة حية" على الأثر الذي تركوه فيك

تحملها في كل ذرة فيك وكل نفس تأخده وكل نبضة قلب ينبض الآن

وتستمر في هذا الطريق حتى ينتهي ...

أو تنتهي

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
عدد المشاهدات
2
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز