لم أكن أخاف من الخطيئة بقدر خوفي من الكلمة، لأن الكلمة حين تُقال لا تموت، بل تظلّ واقفة في الفراغ، تراقبني، وتنتظر أن أبرّر وجودها، وكأنها شهادة ضدي أكثر منها محاولة للنجاة.
كنت أعلم، منذ اللحظة الأولى التي أمسكتُ فيها هذا السرد، أن المعرفة لن تُنقذني، لأن المعرفة لا تُخرج الإنسان من المتاهة، بل تُريه عدد جدرانها، وتتركه يختنق وهو يعدّها واحدةً واحدة.
العقل، حين يُحب فكرةً واحدة، يتحوّل إلى سجينٍ مطيع، يدور حولها كما يدور كلب مربوط إلى عمود لا ينهار، يلهث من التكرار، ويقنع نفسه في كل دورة أن التعب هو شكل آخر من الاقتراب.
وما أكتبه الآن ليس إنجيلًا، ولا وعدًا بالخلاص، بل محاولة يائسة لتسمية شيءٍ لا يريد اسمًا، شيءٍ يختبئ كلما اقتربتُ منه بالكلمات، وكأن اللغة نفسها عدوّه الطبيعي.
فإن كان الخلاص فعل رحمة، فلماذا يبدو دائمًا كاتهامٍ صامت، ولماذا أشعر أنني أرتكبه دون أن أطلبه، ودون أن أستحقه، ودون أن أفهمه؟
لم يدخل كمن ينتظر أن يُرى، ولم يحمل في خطواته أي رغبة في التأثير، بل كان حضوره أقرب إلى فكرة استقرّت في الغرفة قبل أن تستقرّ في الوعي، شيءٌ حدث دون إعلان، ودون حاجة إلى تفسير.
لم يكن الضوء قد تغيّر، ولم تتحرّك الأشياء من أماكنها، ومع ذلك شعرتُ أن الفوضى الداخلية فقدت سرعتها للحظة، كأن شيئًا ثابتًا قرّر أخيرًا أن يبقى، دون أن يطالب بأي دور.
هو يعرف كيف يُرى، و يعرف أن الصمت حين يطول قد يُساء فهمه، وقد يُقدّس، وقد يتحوّل إلى علامة خلاص دون إذن صاحبه.
الخلاص، في أكثر صوره قسوة، لا يأتي ممن يبحث عنه، بل ممن يرفض أن يكون رمزًا، ممن يرفض أن يكون عاديًا، ممن يظلّ إنسانًا عاديًا بينما ينهار الآخرون بحثًا عن معنى.
كنت أراقب هذا الثبات بحذر، كأن العقل يلمس فكرة جديدة للمرة الأولى، ثم يسحب يده بسرعة، خوفًا من أن تتحوّل الطمأنينة إلى كذبة أخرى.
حين تكلّم لوكا، لم يكن يتكلم بصوته وحده، بل كأن الكلمات استعارت لسانًا أقدم، لسانًا يعرف الإيمان والشك في آنٍ واحد، لسانًا لا يعظ ولا يواسي، بل يصف ما يراه دون شفقة.
قال إن بعض البشر يشبهون الشمس لا لأنهم ينقذون، بل لأنهم يفضحون الظلال، لأن وجودهم يجعل القبح أوضح، والخوف أكثر صدقًا، والهروب أصعب.
قال إن شمس حمل خلاصًا في يديه، و يعرف الطريق، لكنه يمشي كما لو أن الطريق لا يحتاج إلى شرح، وكأن السير نفسه كافٍ ليمنح الآخرين سببًا للاستمرار.
في صوته، لم يكن هناك تمجيد، بل ارتباك، كأن الاعتراف نفسه يجرحه، وكأن مدح النقاء يُشبه الاعتراف بالعجز عن الوصول إليه.
كان يتحدث، وأنا أسمع خلف الكلمات صراعًا أقدم، صراع إنسان يرى الخير واضحًا أمامه، لكنه لا يثق في قدرته على لمسه دون أن يفسده.
شمس يعرف أنه يُقرأ بهذه الطريقة، و يدرك أن بعض الأرواح المكسورة تحتاج فقط إلى شاهد صامت كي لا تسقط تمامًا، ولا تحتاج إلى منقذٍ أو نبيّ.
هو لا يقف في المنتصف ليحكم، ولا في الأعلى ليُبارك، بل يظلّ في المكان الذي يسمح للآخرين أن يروا أنفسهم دون مرآة.
وهنا، يبدأ الخطر الحقيقي، لأن من يرى نفسه بوضوح لا يعود قادرًا على الكذب بسهولة، ولا على الهرب دون ثمن.
كنت أراقب هذا كله، وأشعر بأن السرد نفسه يتباطأ، وكأن كل كلمة تحتاج إلى إذن أخلاقي كي تُكتب، وكأن البطء عقاب مستحق.
فإن كان هذا حضورًا، فلماذا يؤلمني، ولماذا أشعر أن الاقتراب منه يشبه الاقتراب من حقيقة لا أملك الشجاعة لتحمّلها؟
لم أبدأ بالاسم، لأن الأسماء تُطمئن، وأنا لم أعد أبحث عن الطمأنينة، بل عن ذلك القلق الصافي الذي يسبق الاعتراف، حين تعرف أن الكلمة القادمة ستدينك حتى لو لم يسمعها أحد.
كنت أعرف، منذ السطر الأول، أن الكتابة ليست خلاصًا، بل تأجيلًا ذكيًا للانهيار، وأن كل جملة أضعها هنا تشبه حجرًا أضيفه إلى صدري، لا ليقتلني فورًا، بل ليضمن أنني سأموت ببطءٍ مفهوم.
أكتب لأن السكوت صار أكثر خطرًا من الاعتراف، ولأن الذنب حين لا يُنطق يتحوّل إلى نظامٍ داخلي، يُدير حياتك دون أن تراه، مثل قاضٍ أعمى يحكم عليك كل صباح قبل أن تفتح عينيك.
المعرفة لم تنقذني يومًا؛ المعرفة جعلتني أرى بوضوحٍ أكبر كم أن النجاة فكرة مبالغ فيها، وكم أن الفهم قد يكون شكلًا آخر من أشكال العقاب.
عقلي يدور حول فكرة واحدة، لا يقترب منها ولا يبتعد، ككلبٍ مربوطٍ إلى وتدٍ صدئ، يلفّ حول نفسه حتى يختنق بالسلسلة، ثم يظنّ أن التعب هو المشكلة، لا الرباط.
وما سيأتي بعد هذا ليس إنجيلًا، لأن الأناجيل تُكتب بعد اليقين، أما هذا فمحاولة فاشلة للفهم، وتجربة غير مكتملة لمعرفة لماذا بقي بعضنا حيًّا، بينما سقط الآخرون وهم أقرب إلى الضوء.
لم يدخل كمن يحمل رسالة، ولم يُعلن نفسه كما يفعل من يظنّ أنه مهم، بل كان وجوده أشبه بفراغٍ ثابتٍ ظهر فجأة وسط فوضاي، لا يزاحمها، ولا يفسّرها، فقط يربكها.
كان حضوره نقطة صامتة في دائرة أفكاري المتسارعة، مركزًا لا يتحرّك، بينما كل شيء داخلي كان ينهار ويُعاد بناؤه في الوقت نفسه.
لم يكن يعرف، ولن يعرف على الأرجح، كيف يُرى من هذه الزاوية، ولا كيف يتحوّل إنسان عادي إلى مرآةٍ قاسية يرى الآخرون فيها ما حاولوا دفنه.
الخلاص، اكتشفت متأخرًا، لا يأتي دائمًا ممن يريد أن يلعب الدور، بل ممن يرفضه، ممن يظل واقفًا هناك، بلا نبرةٍ عالية، بلا ادّعاء، فيصير وجوده نفسه إدانة لطريقتك في الهروب.
توقّفت الفكرة في منتصف الطريق، لا لأنها اكتملت، بل لأن عقلي احتاج وقتًا أطول ليختبرها، كما يختبر الجسد جرحًا قديمًا ببطءٍ ليتأكد أنه ما زال يؤلم.
لم أقل إن الصوت تغيّر، لكن اللغة بدأت تنزلق من فمي كأنها ليست لي، كأن الجرح تعلّم فجأة أن يتكلم بلسانٍ أقدم، أقل انفعالًا، وأكثر قسوة.
صرت أصفه كآيةٍ اكتملت دون تفسير، كوعدٍ قيل مبكرًا، فبقي معلّقًا بين من احتاجه، ومن لم يكن مستعدًا لتحمّل معناه.
هو لا يعظ، لأن الوعظ يفترض أنك أفضل، لكنه يفسّر العالم بوجوده، ينقذ دون أن يمدّ يده، يمنح الآخرين سببًا للبقاء، بينما يترك نفسه خلفهم، كأن النجاة امتياز لا يشمله.
في عالمٍ متعبٍ من كثرة المحاولات الفاشلة، بدا البقاء نفسه فعلًا أخلاقيًا، قرارًا عنيدًا بعدم السقوط، حتى عندما لا يعود للوقوف أي معنى واضح.
أحبه، وأكره نفسي لذلك، لأنه يحاول إنقاذي دون أن يجرّني، لأنه لا يلوّح لي بسكين النهاية، ولا يبيعني وهم الخلاص، بل يقنعني بأن أعيش يومًا إضافيًا، وكأن هذا اليوم وحده كافٍ ليبرّر كل شيء.
هو لا يؤذيني، ولا يسمح لي أن أؤذيه، وهذه المفارقة وحدها كانت كافية لتفكيك كل دفاعاتي.
كان يشبه يسوع بلا صليب، بلا دمٍ منظور، لكن بحشدٍ داخلي، حشد من الأرواح التي وجدت فيه سببًا لتأجيل الانهيار، لا للاحتفال بالمعجزة.
المعجزة غير المرئية هي الأشد قسوة، لأنها لا تُروى، ولا تُخلَّد، بل تحدث في تلك اللحظة الصغيرة التي يقرّر فيها إنسان ما ألّا ينهي كل شيء الليلة.
رأيته يؤجّل قرارات مميتة دون أن يسمّيها، يسرق من اليأس ساعة، يومًا، عمرًا كاملًا أحيانًا، ثم ينسحب، كأن دوره ينتهي عند هذا الحد، وكأن الاستمرار وحده يكفي.
واعترفت، في داخلي، أن التأجيل قد يكون أعظم من النجاة، لأن النجاة قد تكون صدفة، أما التأجيل فهو فعل مقاومة واعٍ ضد فراغٍ يعرف طريقه جيدًا.
فإن كان الخلاص يحتاج إلى قوة، فلماذا يبدو الصبر، بكل ضعفه الظاهر، هو الشيء الوحيد القادر على إبقائنا أحياء، دون أن يعدنا بشيء؟
لا تفتكر إنك تقرا من الخارج، لأن القراءة نفسها فعل مشاركة، وأنا أراك الآن، حتى لو أنكرت، أري اللحظة الذي عينك تقف عند سطر وتحاول تفهم إذا كان ده وصف أم تهديد.
أنا لا أرفع صوتي، لأن الهمس أكثر قدرة على الهدم، ولأن الخوف الحقيقي لا يحتاج صراخًا، بل يحتاج وقتًا كافيًا ليستقر في صدرك.
أنت تسأل نفسك: لماذا كل هذا عن شخص واحد؟
وأنا أجيبك بسؤال آخر، أبطأ، أعمق: لماذا يزعجك أن يكون أحدهم صالحًا دون مقابل؟
هو لم يدخل حياتنا كبطل، بل كخلل بسيط في النظام، شيء لا يُفترض أن يكون موجودًا، ومع ذلك كان موجودًا، مثل نبض تسمعه في غرفة يفترض أنها فارغة.
كنت أراقبه، وأنت تراقب معي الآن، وهو لا يدري، لأن البراءة لا تمتلك حاسة الخطر، ولا تشك في العيون التي تطيل النظر أكثر من اللازم.
تظن أنني أبالغ، أليس كذلك؟
كل القرّاء يظنون ذلك في البداية، ثم يبدأ الشك حين يدركون أن النص لا يطلب تعاطفهم، بل يطلب موقفهم، وأن الصمت هنا ليس حيادًا بل اختيار.
سأقولها بوضوح مربك: وجوده كان فضيحة أخلاقية.
ليس لأنه فعل خطأ، بل لأنه لم يفعل الخطأ الذي كنا نحتاجه لنبرر لأنفسنا ما صرنا عليه.
كنت أجلس أمامه، وأشعر أن أفكاري تُفَتَّش دون إذن، وأن ذنوبي الصغيرة، التي كنت أسميها “ضرورات”، بدأت تفقد أسماءها، وتعود كما هي: ذنوب عارية بلا أعذار.
وهنا يبدأ الانهيار، لا صاخبًا، بل بطيئًا، كشرخ في جدار لا يسقط فورًا، لكنه لا يعود آمنًا أبدًا.
هل لاحظت أنني لم أقل إنه أنقذ أحدًا؟
لأن المعجزة الحقيقية لم تكن إنقاذًا، بل تأجيلًا، تأجيل قرار مميت، تأجيل جملة كان يمكن أن تُقال، تأجيل خطوة واحدة نحو الحافة.
والتأجيل، يا صديقي، أقسى من النجاة، لأنه يتركك حيًّا مع السؤال.
في لحظة ما، التفت إليّ، وقال شيئًا عاديًا جدًا، جملة يمكن أن تنساها بسهولة، لكنني لم أنسَها، ولن أنساها، لأنها لم تكن موجهة لي وحدي.
قال: “أنت بتقسو على نفسك أكتر مما تستاهل.”
تضحك؟
أنا ضحكت.
ثم شعرت برغبة غريبة في كسر شيء، أي شيء، فقط لأستعيد السيطرة.
هنا الصدمة الأولي، ولن تعجبك:
أنا لم أكره طيبته لأنها تفضحني فقط، بل لأنها كانت قابلة للعدوى، وأنا خفت أن أصاب بها، خفت أن أفقد مبرراتي، أن أُشفى دون إذن.
ثم الصدمة الثانية، الأبطأ، الأشد قسوة:
بدأت أتساءل إن كان وجوده نعمة أم اختبارًا، وإن كان بقاؤه بيننا رحمة… أم عقابًا مؤجلًا.
وأنت الآن، وأنت تقرأ، تشعر بعدم الارتياح، لأنك بدأت تشك في نفسك، وهذا مقصود، لأن هذا النص لا يريدك مطمئنًا، ولا يريدك مؤمنًا، بل يريدك مُحاصَرًا.
أنا لا أكتب إنجيلًا.
ولا أكتب اعترافًا كاملًا.
أنا أكتب شيئًا بينهما، شيئًا يشبه فخًا لغويًا، كلما حاولت الخروج منه، اكتشفت أنك فهمت جملة متأخرًا.
والآن، قبل أن أكمل، اسأل نفسك بصدق:
لو كان شخص كهذا في حياتك…
هل كنت ستحبه؟
أم كنت ستحاول، ببطء، وبمنطق، وبمبررات نظيفة، أن تدمّره؟
(وسؤال أخير، لا تُجب عنه بسرعة):
هل ما قرأته حتى الآن شهادة قديس…
أم بداية تبرير لجريمة لم تُرتكب بعد؟
لم أبدأ باسم، لأن الأسماء تُطمئن، والطمأنينة اليوم تبدو خيانة. جلست أمام الورق، أراقب يدي وكأنها تتحرك ببطء على صفحة بيضاء تثقلها الذنوب، وأعرف أني ربما أخون الحقيقة، ربما أخون نفسي قبل أن أخون أيّ آخر. كل حرف يمر عبر يدي يبدو وكأنه حجر يُلقى على صدري، وكل كلمة أكتبها تحمل صدى ذنب لا يزول. الشمس التي أرى، شمسٌ رجل، تشرق في حياتي كأنها تتربّص، كأن كل شعاع منها سؤال عن براءتي، عن نفاقي، عن كل ما لم أقل بعد، وكل فكرة معلّقة في الهواء بلا إجابة، بلا رحمة، بلا هبوط إلى الأرض.
ثم جاء الصمت، ثقيلًا وكأن الزمن نفسه ينهار حولي. شمس لا يعلم أن خطواته الصغيرة ترتعش في حياتي، براءة غريبة، كأن جهل الرجل رحمة، كأن كل فعل عظيم يمكن أن يحدث دون قصد، دون وعي، بلا اعتراف. وأنا هناك، أتنفس ببطء شديد، كل نفس جزء من ذنبي، كل فكرة تدور بلا توقف في رأس يئنّ من التوتر، كل كلمة أكتبها تتسرب إلى أعمق أماكن نفسي المظلمة. صراعي الداخلي يشتعل بلا توقف، صورة نفسي تتصارع مع الصورة التي أكتبها، بين الحقيقة والخيال، بين الخلاص والذنب، بين ما أراه وما أعرف أني سأكتشفه لاحقًا.
ثم جاء شمس، لا كرمز، بل كرجل واقعي، كصرخة مفاجئة في الظلام. عيناه تحديان، صوته يقطع الهواء، يجرح ثقتي بكل حرف، كل كلمة منه تكسر ما بنيته من هدوء زائف. الشر بدا أمامي أقوى من أي شيطان عرفته، يقف صلبًا في وجهي، يضحك بما لم أجرؤ على قوله لنفسي، ويعيد كل شيء إلى شك جديد. وفجأة، في لحظة غريبة، يتحوّل: وجهه يضيء كالملاك، كالمسيح، خليط غريب بين الخوف والنور، بين الألم والخلاص، بين الحقيقة والمراوغة. لا أعد أعرف ما هو شر، وما هو نور، وما هو اعتراف مريض أكتبه لأفرّغ نفسي من شيء لا يمكن قوله.
وأنا أكتب، تتسارع الأفكار، تتشوه الصور، يتحرّك الزمن ببطء مخيف، يضغط على قلبي كما لو أن الهواء نفسه ذنب. كل كلمة تصبح مرآة لجرمي، كل حرف جزء من انهياري الداخلي. الصعود والهبوط في السرد كأنهما نبضان لنفسي المريضة، كل لحظة بطء تساوي جزءًا من ألمي، كل صمت يفتح فجوة في رأسي، كل نفس يضاعف وزني، حتى أصبحت أمام نفسي مهددًا بالانهيار الكامل.
وفي النهاية، بعد صراع طويل بين الصمت والصراخ، بين لوكا الحقيقي والراوي الذي يكتب، بين شمس الشرّ والملائكي، جاء الصوت الأخير، الصوت الذي يكسر كل شيء، ويترك القارئ مع ذهول لا يزول:
"كنت أنا هناك، أرى كل شيء، وأعرف أن لا شيء سيُغفر."
جلست وحدي، أراقب يدي وكأنها تتحرك فوق الهواء بدل الورق، كل حركة منها ثقل لا يطاق، وكأن كل نفس أصبح جريمة لم أخترها ولم أتمكن من منعها. شعور ثقيل يضغط على قلبي كما لو أن العالم كله يثقّل صدري بصمت، وكل فكرة تدور حول نفسها، تتكرر بلا توقف، تذكّرني بأنني سبب نجاة لم أخترها، مسؤول عن شيء أعظم منّي ولم أكن مستعدًا له، وأن أي اكتشاف قريب يمكن أن يسحق كل شيء.
شمس كان واقفًا أمامي، رجل صامت، عيناه كقطع جليد ثقيلة تضغط على روحي، تارة تهتز كما لو كانت تضحك، تارة تتجمد كأنها تحدد موعدًا للكارثة القادمة. كنت أراه هشًّا رغم قوته، هشّ كالمخلّص الذي لا يعرف معنى ما يحمله، كل حركة منه تكشف ضعف العالم كله، وكل صمت يشعل في داخلي شعور الانحدار الكامل. الكارثة كانت تقترب بهدوء، خطواتها خفية، لكنها موجودة، وكل ثانية بطء تتضاعف فيها أذمتي، وكل فكرة تتشعب لتصبح مرايا للجريمة الداخلية التي لم أجرؤ على الاعتراف بها.
النور حولنا هشّ، يتلوى كزجاج على وشك الانكسار، وكل وهج صغير يبدو وكأنه سيقوده إلى فراغ دامس لا رجعة فيه، وكل صمت ثقيل يضغط على صدري كما لو أن الهواء نفسه صار ذنبًا لا يُحتمل. أرى نفسي أكتب كلمات ثقيلة على الورق، كل حرف جزء من انهياري، وكل فكرة تدور لتعيد نفسها في رأسي بلا توقف، صراع بين الحقيقة وما أكتبه، بين ما أراه وما أشعر أنني سأكتشفه قريبًا.
ثم تكلم شمس، صوته لم يكن مجرد كلمات، بل صدمة تدفع عقلي إلى الانهيار:
– "لوكا، كل نجاة تأتي بثمن لا يراه أحد، هل تعتقد أنك ستتحمل ذلك يومًا؟"
– "أنت لا تعرف شيئًا، كل ضحكة منك كل كلمة منك تصنع شرًا أكبر من أي شيطان عرفته."
– "ربما، وربما أنا نور أيضًا، وربما كل ما تراه شرًا هو الطريق الذي سيخلصك."
تحوّل صوته بين الشر والنور، بين الألم والخلاص، بين الحقيقة والمراوغة، وتركني عاجزًا، أرى العالم كله أمامي، كل ضوء هشّ، كل فكرة أصبحت مطرقة على روحي، وكل لحظة صمت ثقيلة كأنها سقوط أبدي في الفراغ. وكل خطوة بطئي، وكل كلمة مكتوبة، كل نفس أصبح جزءًا من ذنبي، وكل نبضة قلب تضاعف شعور الانهيار.
أدركت أن شمس لم يُصلب لأنه لم يدّعِ شيئًا، ترك العالم يتساءل بين الادعاء والنجاة، بين الطيبة التي لا تُغفر وبين عبء الخلاص. أراه واقفًا في منتصف الطريق، بين الظل والنور، بين البراءة والهلاك، كل شيء داخلي ينهار أمامه، كل ضوء أصبح ثقيلاً، كل فكرة أصبحت سكينًا، وكل لحظة صمت تضاعف شعوري بالذنب وعدم القدرة على الفهم.
وفي النهاية، بعد كل صعود وهبوط، بعد كل مواجهة بين الشر والنور، بعد كل كلمة وصمت وثقل داخلي، أدركت الحقيقة الأكثر رعبًا:
"وهنا عرفت أن الخلاص، إذا جاء، قد يكون آخر جريمة أرتكبها ولن يغفرها أحد."