تفاصيل العمل

"شهوة الضوء"

هذا السلاح اللعين الذي بين يدي، هو عدوي اللدود، وبذات اللحظة، هو صديقي المقرب. يمكننا القول إنه سلاح ذو حدين. او يمكننا القول ببساطة وبدون هذا التعقيد الشعري، أنه أداة تستطيع استعماله بالخير والشر.

ولأنني أظن، أن هذا اللعين الذي بين يدي هو سبب رئيسي في مشاكل كثيرة أصابت الجنس البشري. أشعر برغبة في أن أحاربه، وأخبر عن ما أتضح لي من مساوئ يملكها.

أود أن أبدأ بأضراره على الأطفال. فالطفل الذي يملك بغريزته الفضول للاكتشاف، بدل أن يُقدم له الوسائل المساعدة لتحقيق هذه الرغبة، يقدم له هذا اللعين. ليكون كوجبة دسمة من الالهاء والتغفيل عن كل ما يدور من حوله.

يدمن هذا الطفل المسكين على هذه اللعنة وما تقدمه من جرعات دوبامين غير صحية، مما يصعب المهمة على الأهل اكثر بأن يعلموه شيئاً عن هذا العالم. ويفقد تركيزه مع العالم الخارجي شيئاً فشيئاً.

فالأهل بدل التعامل مع مشاكل الطفل، يُرمى إليه هذا الهاتف للتخلص من إزعاجه، بدل محاولة فهم ما يطلبه هذا المسكين، يقدم إليه هذا الالهاء لكي يتهربوا من هذه المسؤولية.

المشكلة الأكبر أن الأهل أيضاً مدمنون، بالتالي قد لا يلحظوا هذه المشكلة، بسبب انخراطهم بهذا العالم الوهمي. فتجد أن أمل الطفل الوحيد بإخراجه من هذه اللعنة، تائهٌ بها أيضاً.

فيُحرم هذا المسكين من إشباع فضوله، يحرم من التعليم في أهم مراحل تكوين عقله، ويحرم من الإهتمام الهام لصحته النفسية، ويحرم تكوين ذكريات وعلاقة جميلة مع أهله....والقائمة تطول بالحرمان الذي يتعرض له الطفل في هذا الزمان.

المشكلة الأكبر هي ما قد يُعرض لهذا المسكين من أفكار لعينة؛ إباحية، تشجيع على العنف، أفكار خاطئة... إلخ

أو ربما يصل إليه أحد اللعينين لخداعه ومن ثم استغلاله.

فأنت تخاف انت تترك ابنك بالشارع، ولكن تعطيه صلاحية الوصول الى العالم ووصول العالم إليه.

إذاً ليس من الاهتمام أو "الدلال" أن تحضر لأبنك أحدث "هاتف"، بل الإهتمام الحقيقي هو أو تعطي إبنك الوقت الذي يحتاجه، باللعب معه وتعليمه، ومساعدته التعرف على العالم بكل تعقيداته ومشاكله، لكي يتعامل معها تدريجياً، بدلاً من الاصطدام بها فجأة.

إن ما أتحدث عنه ليس"فلسفة زايدة" بل مشكلة كبيرة وخطيرة، قد تكون اضرارها على عائلتك أكثر مما تتخيل، وأضرارها على البشرية أخطر وأكبر.

يتبع...والسلام.

"شهوة الضوء"(٢)

أضرار استخدام الهاتف عند الأطفال ليست فقط بمنعه من التعلم، بل أيضاً له أضرار طبية ونفسية وعقلية كثيرة، فالأضرار قد تكون واضحة ومباشرة مثل: تضرر العينين، تضرر الجسد بسبب الجلوس بوضعيات غير صحية، او حتى الجلوس بثبات لوقت طويل.

وغير مباشرة مثل: عدم تطور مهارة التواصل، عدم تكوين هوايات رياضية هامة لسلامة الجسد، جسد ضعيف من قلة اللعب والحركة، اضطرابات النوم...الخ.

ويكثر في زماننا هذا مرض تأخر النطق عند الأطفال، والسبب في ما تحدثنا عنه آنفاً. لأن الطفل يقل تواصله مع من حوله فلا يحتاج للحديث، فالطفل حين يتعود على الهاتف يتعود أن يكون هو المتلقي دائماً. ولا يتعلم طبيعة التواصل من الطرفين.

إن لم تستطع إبعاده عن هذه اللعنة بشكل تام، فهناك خطوات تستطيع تطبيقها للتخفيف من هذه الاضرار:

أولاً وأهم شيئ هو تقييد وقت الاستخدام.

ثانياً تقييد المحتوى في جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي (توجد هذه الخاصية في الاعدادات) ويفضل الغائها بشكل كلي.

ثالثاً مراقبة الهاتف أما بطريقة مباشرة أو عن طريق ربطه بهاتفك.

ورابعاً اضافة تطبيقات ومحتويات مفيدة وتعليمية.

أما إذا أخترت الغاءه بشكل تام فهذه بدائل عنه:

1- ألعاب تعليمية هادفة مثل:العاب الذكاء والتركيب ألعاب تحوي أرقام واحرف.

2- قراءة القصص المفيدة.

3- إشراك الطفل في الأعمال المنزلية البسيطة.

4- تدريب الطفل على الرياضات مثل: السباحة، كرة القدم.

5- الخروج في نزهة الى الحديقة او حديقة الحيوانات كمثال.

6- تقديم دروس تعليمية بطريقة ممتعة.

توضيح: تشاهدون في الفيديو الثاني تصريحات من مدراء ورؤساء في شركات تطبيقات التواصل الاجتماعي يتحدثون عن تقييد إستخدام الاجهزة لاطفالهم !

والسلام !

"الإنسان ضد الخوارزمية"

في فيلم the social dilemma نرى موظفين سابقين وحاليين بمناصب قيادية في شركات تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل؛

تويتر.

فيسبوك.

وانستقرام.

يتحدثون ويحذرون من الخطر الذي صنعوه.

خوارزمية إختيار المحتوى المقترح لك، لها مخاطر كبيرة نتجت عنها كعرض جانبي، لنضرب مثل بعيد عن السياسة والدين.

لو كنت من مشجعين فريق برشلونة ووضعت إعجاب على منشور لهم، تبدأ الخوارزمية بإظهار محتوى عن فريق برشلونة، ومحتوى سلبي مثل فضائح تحكيمية للفريق الخصم ريال مدريد مثلاً، ما سيحدث أنك بعد فترة سوف تصبح متعصباً لفريقك أكثر وأكثر.

لأن الخوارزمية لن تظهر لك محتوى سلبي عن فريقك او إيجابي عن فريق الخصم لأنه ليس من ضمن المحتوى المفضل لك.

تخيل معي أن تعمل ذات الطريقة على أمور أخطر، مثل أمور دينية أو سياسية، سوف تكون الأخبار المؤيدة لفكرك والمسيئة للفكر المعارض أكبر مساعد على زيادة تعصبك نحو جماعتك.

يقول مدير العمليات السابق في شركة فيسبوك: لقد أنشأنا نظاماً يتحيز نحو المعلومات الكاذبة. ليس رغبةً منا في ذلك، بل لأن المعلومات الكاذبة تدر على الشركات أرباحاً أكثر من الحقيقة، الحقيقة مملة.

وكما يوثق الفيلم فقد ساهم الفيسبوك بشكل أساسي وكبير في الحرب الدينية في الهند، وحروب أخرى كثيرة، وما زال يساهم.

"أن كانت السلعة مجانية فأعلم أنك أنت السلعة"

إحدى النقاط التي طرحها العمل أن الشركات لا تحصل على أرباحها لقاء بيع المنتجات والإعلانات مباشرة فقط، بل عبر بيع المستخدمين أنفسهم، أو بمعنى أدق بياناتهم والمعلومات التي يجمعونها عنهم، وهو ما لا يحدث بصورة صريحة.

هل حصل معك يوماً أنك تحدثت مع أحدهم عن شراء شيئ ما، وبدون ان تبحث عنه فجأة بدأ يظهر في جميع الاعلانات على جميع تطبيقاتك ؟ بالتأكيد أن هذه الشركات لها أنظمة تتابع حياتك باهتمام، لمعرفة رغباتك وتوجيه الإعلانات المناسبة لك.

والسلام.!

"عقول تالفة"

يحدثنا جوشوا فوير في كتابه رقصة القمر مع اينشتاين؛ أن فن الذاكرة اصبح يندثر شيئاً فشيئاً، بسبب سهولة الوصول الى المعلومات، أصبح عقلنا كسولاً، غير مبال تجاه المعلومات الهامة، لاننا نستطيع الوصول إليها متى شئنا.

فلو سألت أحدهم اليوم ما هي أعراض السكري سوف يقوم بفتح غوغل او شات جي بي تي للبحث عن الأجابة، ولن يكلف نفسه عناء حفظها، ويستطيع في أي وقت يريد أن يستحضر هذه المعلومة عن طريق فتح غوغل مرة أخرى.

بمعنى أننا لم نعد مجبرين على تذكر المعلومات في عقولنا طالما أنها محفوظة في مكان آخر، مع أن للعقل البشري قدرة تذكر أضخم مما نتصور، وأن نظرة سريعة على أرقام أبطال العالم في الذاكرة سوف تكون مبهرة.

يستطيع ابطال الذاكرة حفظ ترتيب أوراق اللعب المكونة من ٥٢ بطاقة خلال اقل من ٣٠ ثانية، ويستطيعون حفظ اكثر من ٦٠٠ رقم خلال خمس دقائق، واكثر من ٤٠٠ كلمة عشوائية خلال ١٥ دقيقة بدقة متناهية، وهناك الكثير من الأرقام القياسية المبهرة في هذا المجال!

بطل العالم في الذاكرة دومينيك أوبراين: تذكر ٢٨٠٨ بطاقة لعب(٥٤ باكيت) بعد رآها مرة واحدة، وكان لابو العلاء المعري ذاكرة قوية أيضاً، يقال أنه كان يحفظ كل الكتب التي مرت عليه، وكان إذا أضاعوا صفحة من كتاب، أو اختلفوا في جملة من كتاب يذهبون إليه.

الإمام البخاري: حفظ مئات الآلاف من الأحاديث، مع تفاصيلها، مثل رواة كل حديث ومواليدهم، والامثلة عن أصحاب الذاكرة القوية كثيرة في التاريخ البشري.

جون فون نيومان: من أعظم العقول في القرن العشرين.

كان يقال إنه يتذكر صفحة من كتاب بعد قراءتها مرة واحدة، ويعيد كلمات المحاضرة بدقة بعد حضورها مرة واحدة.

جوشوا فوير كان في حالة صدمة مثلنا حينما رأى هذه القدرات، وكان يظن أن هؤلاء هم أناس خارقون، وقد كان مذهولاً حين كان صحفياً ويقوم بتغطية بطولة أمريكا للذاكرة، حينها جميع المتسابقين أكدوا له بشكل قاطع، أنه يستطيع ان يتذكر مثلهم، وأن أي أحد يستطيع المشاركة في هذه البطولة مع قليل من التدريب.

إن كان التذكر هو جوهر أن أكون إنسانًا ، فإن التذكر أكثر يعني أن أكون إنسانًا أكثر.

يتبع...والسلام !

"عقول تالفة"(٢)

يروي لنا الكاتب تجربته في تعلم فن الذاكرة، يقول لم أصدق في البداية أن هؤلاء هم بشر عاديين، وأنني أستطيع أن أصبح مثلهم فقط بالتدريب، يخوض الكاتب مغامرة جميلة في تعلم فن الذاكرة والتدرب عليه لمدة سنة، ويعود ليشارك في البطولة، وبشكل مفاجئ للجميع، يصبح هو بطل امريكا في الذاكرة.

يثبت لنا الكاتب خلال ترجبته هذه؛ أن أبطال الذاكرة هؤلاء هم ليسوا خارقين ذهنياً، كل ما يحتاجه الأمر هو التعرف على بعض التقنيات، والتدرب عليها. بالتالي فأنني أجد من المؤسف ومن المحزن، أن تندثر هذه القدرة، وأن يتوقف الاهتمام بها وتطويرها.

تجد أننا نحفظ في هواتفنا معلومات بخصوص عملنا، وبخصوص نظامنا الغذائي، ونسجل التواريخ، ونضع المنبهات لتذكيرنا بأمر علينا فعله، والكثير الكثير من الأمور البسيطة التي نعجز عن تذكرها. وبسبب هذه العادات، أصبحت ذاكرتنا كسولة، ضعيفة، بالتالي ليست أهلاً للثقة.

في كتاب أفلاطون "فيدروي" يصف سقراط كيف أتى الإله إلى ملك مصر ابتكاره الرائع وهو الكتابة، وقال له: إليك اختراعي الذي سوف يحسن الذاكرة، رفض الملك المصري الهدية وقال:"إن تعلم الرجال هذا، فإنهم سيعتادون النسيان في أرواحهم. لن يقوموا بتدريب ذاكرتهم وسيصبحوا نسائين، سيعتمدون على المكتوب، ولن يحتاجوا إلى استخدام ذاكراتهم، لأنهم يملكون المعرفة خارجها ما قمت باكتشافه ليس وصفة للذاكرة، بل للتذكير. وهذه ليست حكمة حقيقية ، وإنما مظهر للحكمة"

وفي النهاية يقول جوشوا بعد ان اصبحت بطل أمريكا في الذاكرة، وفي يوم ليس ببعيد، ذهبت الى العمل وقد نسيت مفاتيحي بالمنزل، فالفكرة تقول أن للعقل القدرة على التذكر، ولكنها معركتنا مع التشتت!

والسلام !

بإمكاني كتابة كتاب كامل عن أضرار هذه الأجهزة الحديثة، ولن أنتهي. المشاكل اكثر من أن تحصى وتذكر، لذلك سوف اختتم:

يقولون عن الزمان الماضي أنه زمن العبودية، وأن العبودية أنتهت، ولكنني أرى أنها أكثر وأشد في هذا الزمان، ولكنها عادت في هيئة أخرى، أشد سوءً.

أصبحنا عبيد شاشات، عبيدً للحكومات، والمنظمات الحاكمة، عبيد الطبقة الأرستقراطية.

لهذا تروادني رغبة جامحة لو أنني ولدت في غير هذا الزمان.

ليس هروباً، بل فضولًا لمعرفة كيف يكون الإنسان حراً دون هذا القدر من الضوضاء.

لو ولدت في عصر المخترعين الأوائل، أعمل في ورشة باردة، أبحث عن شرارة تضيف شيئًا للعالم، دون أن يطاردني إشعار كل دقيقة.

أو في زمن الرحّالة، أتنقل بين المدن على خريطة بلا إنترنت، أتعلم من الطريق أكثر مما أتعلم من الشاشة.

أو حتى في زمن الرسامين العظام، أضيع يومي بين الألوان والفرش، لا أعرف كلمة “إدمان رقمي” ولا أشعر بثقل هذا الارتباط القسري بالأجهزة.

لو أنني ولدت في القرون الوسطى، قرصان على إحدى السفن، أتنقل بين الموانئ، أرى البحر كما هو، بلا شاشات، بلا إشعارات، بلا عيون خفية تراقب كل خطوة.

قرصانًا يعرف أن الخطر أمامه، وأن العدو واضح… لا يختبئ داخل جيبه، ولا يتنكر على هيئة تطبيق اجتماعي.

على الأقل، كان الإنسان سابقًا يعرف سيده. يعرف من يقيده، ومن يتحكم به، ومن يملك قوته.

اليوم نحن لا نعرف من يقف خلف هذه الخوارزميات التي تتحكم في قراراتنا، في رغباتنا، في مزاجنا، وحتى في رؤيتنا للعالم.

نحن عالقون هنا إذاً، في هذا العصر.

عصر السرعة التي تستهلكنا أكثر مما تخدمنا، عصر الوفرة التي تصنع داخلك فراغًا، عصر الاتصال الذي يجعلك أكثر وحدة.

والمستقبل يخيفني أكثر !

والسلام !

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
عدد المشاهدات
5
تاريخ الإضافة
المهارات