﴿ الجزء الأول: التفريغ الحرفي الكامل دون نقصان - 00:00 إلى 05:30 ﴾
[00:00 - 01:45]
تَحِيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَيْكُمْ مُبَارَكَةٌ طَيِّبَةٌ. نَنْتَقِلُ اليَوْمَ إِلَى مَنْحًى مُهِمٍّ جِدًّا فِي آيَاتِ المَوَارِيثِ، وَهِيَ الآيَةُ الأَخِيرَةُ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، الآيَةُ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسَبْعُونَ، الَّتِي تَقُولُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. المُلَاحَظَةُ الأُولَى هُنَا هِيَ أَنَّ الآيَةَ تَبْتَدِئُ بِفِعْلِ «يَسْتَفْتُونَكَ»، وَهَذَا مَعْنَاهُ يَا جَمَاعَة أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَسْتَفْتُوكَ لَرُبَّمَا لَمْ نَكُنْ لِنُفْتِيَكَ فِي هَذَا الوَقْتِ بِالذَّاتِ أَوْ بِهَذِهِ التَّفَاصِيلِ. وَهِيَ صِيغَةٌ مُشَابِهَةٌ كَثِيرًا، بَلْ وَتَكَادُ تَكُونُ مُتَطَابِقَةً فِي المَقْصَدِ لِعِبَارَةِ «يَسْأَلُونَكَ» الَّتِي تَرِدُ دَائِمًا فِي القُرْآنِ لِتُجِيبَ عَنْ أَسْئِلَةِ النَّاسِ لِلنَّبِيِّ.
[01:46 - 03:30]
وَقَدْ تَوَسَّعْنَا سَابِقًا فِي شَرْحِ «يَسْأَلُونَكَ» وَأَثْبَتْنَا بِالدَّلِيلِ كَيْفَ أَنَّ القُرْآنَ يَسْتَخْدِمُهَا لِلسُّؤَالِ عَنْ أُمُورٍ عِلْمِيَّةٍ أَوْ مَادِّيَّةٍ أَوْ طِبِّيَّةٍ؛ مِثْلَ السُّؤَالِ عَنِ الأَهِلَّةِ فِي السَّمَاءِ، أَوْ عَنِ المَحِيضِ عِنْدَ النِّسَاءِ، أَوْ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ. أَمَّا لَفْظُ «الِاسْتِفْتَاءِ» فَقَدْ خُصِّصَ هُنَا لِيَكُونَ مَوْضُوعُهُ حَصْرًا فِي الأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالقَضَايَا الَّتِي فِيهَا حَلٌّ وَرَبْطٌ حُقُوقِيٌّ. وَلَكِنَّ كِلَا التَّعْبِيرَيْنِ «يَسْأَلُونَكَ» وَ«يَسْتَفْتُونَكَ» جَاءَا لِيُوصِلَا إِلَيْكَ رِسَالَةً مُفَادُهَا: أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَسْأَلْ لَرُبَّمَا لَمْ يُقَلْ لَكَ هَذَا الكَلَامُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ، وَلَوْ لَمْ تَسْتَفْتِنَا لَرُبَّمَا لَمْ نَكُنْ لِنُفْتِيَكَ.
[03:31 - 05:30]
وَلَا بُدَّ أَنْ نُوَضِّحَ أَنَّ هَذَا المَنْطِقَ، مِنْ جَانِبٍ، لَا يَعْنِي أَبَدًا وَلَا يُلْغِي أَنَّ هَذِهِ الآيَاتِ كَانَتْ سَتَنْزِلُ لِأَنَّ اللهَ يَعْلَمُ حَاجَتَنَا إِلَيْهَا، فَهِيَ آيَاتٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا وَتُفِيدُ البَاحِثَ وَالقَارِئَ فِي عَمَلِيَّةِ التَّدَبُّرِ. لَقَدْ جُرِّبَتْ هَذِهِ الآيَاتُ مَعَ بَعْضِهَا البَعْضِ عَبْرَ التَّارِيخِ وَوَجَدْنَا لَهَا فَلْسَفَةً عَظِيمَةً جِدًّا فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ. لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَبَدًا فِي المُقَابِلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى تَعَمَّدَ صِيَاغَتَهَا بِهَذَا الشَّكْلِ «يَسْتَفْتُونَكَ» لِيُعْطِيَكَ مَعْنًى إِضَافِيًّا، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الأَحْكَامَ لَيْسَتْ لَهَا نَفْسُ القِيمَةِ التَّأْسِيسِيَّةِ الأَصِيلَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي بِدَايَةِ السُّورَةِ كَقَوَانِينَ رَئِيسَةٍ. فَلَوْ أَنَّكَ لَمْ تَسْتَفْتِنَا لَرُبَّمَا لَمْ نَكُنْ لِنُفْتِيَكَ بِهَذِهِ التَّفَاصِيلِ الجُزْئِيَّةِ.
[05:31 - 07:15]
لَكِنْ لَوْ نَظَرْنَا مَعًا، وَبِتَدَقُّقٍ شَدِيدٍ، إِلَى آيَاتِ «يَسْأَلُونَكَ» فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، سَنَجِدُ أَنَّ عَدَدَهَا حَوَالَيْ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً فَقَطْ. أَمَّا آيَاتُ «يَسْتَفْتُونَكَ» فَهُمَا آيَتَانِ لَا غَيْرَ فِي كُلِّ دَفَّتَيِ المِصْحَفِ. وَهُنَا يَجِبُ أَنْ نَقِفَ وَنَتَسَاءَلَ تَبَاؤُلًا مَنْطِقِيًّا: هَلْ يُعْقَلُ أَنَّ الصَّحَابَةَ الكِرَامَ الَّذِينَ عَاصَرُوا التَّنْزِيلَ عَلَى مَدَى ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهِيَ طُولُ فَتْرَةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ العَظِيمِ ﷺ، لَمْ يَسْتَفْتُوهُ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ وَشَرْعِهِمْ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ المَسْأَلَتَيْنِ الشَّرْعِيَّتَيْنِ فَقَطْ؟ وَهَلْ يُعْقَلُ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوهُ إِلَّا عَنْ خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً مَادِّيَّةً أَوْ عِلْمِيَّةً طَوَالَ تِلْكَ السِّنِينَ؟ هَذَا أَمْرٌ لَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ. لَوْ كُنْتَ أَنْتَ مَكَانَهُمْ، وَتَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ نَبِيًّا مُرْسَلًا مَوْجُودًا بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ، وَيُوحَى إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، أَلَمْ تَكُنْ لِتَسْأَلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، بَلْ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، عَشَرَاتِ الأَسْئِلَةِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ تَحْتَ بَصَرِكَ؟
[07:16 - 09:00]
إِذَنْ، لِمَاذَا اخْتَارَ الوَحْيُ القُرْآنِيُّ فَقَطْ بَعْضَ المَوَاضِيعِ المَحْدُودَةِ جِدًّا وَابْتَدَأَهَا بِهَذِهِ الصِّيغَةِ «يَسْتَفْتُونَكَ»؟ هَذَا الِاخْتِيَارُ لَمْ يَكُنْ عَبَثًا، بَلْ هُوَ لِغَايَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ وَعَمِيقَةٍ؛ لِيُفْهِمَكَ أُمُورًا أَعْظَمَ مِنْ مُجَرَّدِ الجَوَابِ، وَلِيُبَيِّنَ لَكَ أُمُورًا بَعِيدَةَ المَدَى تَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ التَّشْرِيعِ نَفْسِهِ.