بعد إنقضاء شهر على ممارستي ( كمتدربة ) لتخصصي ، تخصص التحاليل الطبية ، جائتني لحظات الإدراك يومًا بعد يوم أن العينات التي أعمل على معرفة محتوياتها لم تعد مجرد ماء مخلوط بلون في مختبر أكاديمي لنُطبّق التجربة وحسب ، أو سحبة دم من رفيقة أتحدى بها نفسي وأحاول إثبات شجاعتي أمام الدكتور لآخذ عليها علامة وأنافس بها على رمز نهاية الفصل ، وأصبحت الحالات الحرجة ، كالإجهاض في آخر شهور الحمل ، النوبات القلبية ، الجلطات الدماغية ، الفشل الكلوي ، فقر الدم ، أمراض الكبد ، إلى آخره .. حالات حقيقية نواجهها كل يوم بل كل ساعة ، وليست مجرد سطور أخذت حيزًا في فصل من مادة دراسية !
هذا الانتقال من الكتب والدفاتر وجدران الكلية للمستشفى كان مُرعبًا بعظمته !
كُل الشتات الذي فيَّ .. اختفى ولو بشكل جزئي أمام كل حالة مرضية نواجهها في المختبر ، كيف لي أن أركز في مشاكل حياتي وهناك أم تفقد جنينها في آخر شهر من حمله في رحمها ؟
وكيف سأجادل أمي وهناك ابن يحمل نتيجة فحص أمه لاحتواء جسدها على خلايا سرطانية ؟
كيف سأنتقد جسدي لأن حزنًا قبض فؤادي وآخر لم يعد قلبه يعمل فأصابته نوبة قلبية ؟
سيقول لي الأكبر مني في المجال لا تجعلي حالات المرضى تتسلل لحياتك فتملأها سواد ،، هذه ابتلاءات من الله لهم ولكلٍ اختباره ..
فأرد عليهم مما رأيت من قساوة قلوبهم أمام كل تلك المشاهد ..
نعوذ بالله أن ينزع منّا الطب رحمة قلوبنا تجاه خلق الله !
وكل ما رأيته في شهر ، زاد انكساري به لله ،
إدراك حقيقة عظمة الخالق ، وكيف أن شيئًا صغيرًا في هذا الجسد قد يعدمه حقيقة كانت صعبة التصديق حتى رأيتها وعشتها في نتائج فحوصات المرضى ، كارتفاع نسبة البوتاسيوم.. الذي نأخذه من موزة ..
في جسد مريض توقف جسده عن تنظيم استقباله وتسريبه يُسبب له تلفًا دماغيًا أو كلويًا !!!!! الله أكبر وسبحان الله !
ورغم عدم لقائي وجهًا لوجه مع كل هؤلاء المرضى كنت أتمنى لو استطيع احتضانهم والتهوين عليهم ، أودُّ لو أُحب على أيديهم ، أُطبطب على قلوبهم ، بل وأدفع أي جهدٍ ممكن في تخفيف آلامهم ..
ورغم دراستي طيل هذه السنوات لحالاتهم لم يخطر ببالي أبدًا أنهم حقيقيون ، وأوجاعهم حقيقية ، وأنينهم حقيقي ، وتلف أجسادهم حقيقي ، والحقيقة الأشد مرارة بين كل هذه الحقائق أنهم كُثر ! وأنهم منسيون إلّا ممن توسطت عائلته بفردٍ مُصاب ومتألم فيذكره ويذكر من يشابه وجعه بالدعاء والرحمة ..
شهر واحد يا خالقي ، عرفت فيها معنى أن تكون قيمة نتيجة تحليل واحد قادرة على قلب حياة إنسان رأسًا على عقب، من السكينة للخراب ، ومن الخراب للسكينة .
- تالا عِماد
٢٧.رمضان.٢٠٢٥