حينما عاد من رحلته التي لم تكن إلا رحلة إنتحارية يسعى فيها محارب أثينا الشجاع الذي لم تكن صفته الشرفية تقتصر على كونه محارب فقط بل على كونه الأمير ثيسيسوس إبن الملك إيجيوس الذي أعطى والده كلمة أخذت بنصفها الأول الأعلام البيضاء الذي سترفرف لتبلغ كل أثينا عن عودته مرفوع الرأس قاتلاً لما يطلقون عليه وحش المينتور صاحب القوة التي لا يستهان بها البتة،بينما نصفها الآخر يحمل الأعلام السوداء التي يعلن بها عن جنازته و أيضاً إعترافاً بهزيمته أمام ذلك الوحش الضاري،و لكن في نهاية المطاف الأعلام و البشر يخطئون فالمحارب الشجاع قاد مركبته لبلده منتصراً فرحاً بعد إنتصاره الدموي و لكن يبدو أن أعلام السفينة لم تكن واثقة أنه سينجو فرفرفت بالألوان الجنازة تعلن الحداد الكاذب عن طريق الخطأ،و قد نتج عن هذا الخطأ كارثة إنتحار،فحتى لو كنت الملك الذي يحكم الأرض الأسطورية ففي قلبك و قرارتك أنت أب لا يستطيع تحمل حدوث مكروه لولده فما كان منه إلا أن رمى نفسه بالبحر الذي لا ينقذ من لا يعرف السباحة فحمل ذلك البحر تلك الجثة مكسورة القلب بكل هدوء فلم يكن ممزوجاً بأي دم بل فقط ممزوج بالكسرة و اليأس الساكن،و قد إحترم البحر موته الهادئ و أشفق على موته الذي كان بسبب غلطة لا يدرى على من يلقى اللوم بشأنها فسميى البحر على جزء من إسمه "إيجه" كأنه ولده الذي لم ينجبه رغم إني أتوقع أنه لم يكن أول من مات به و لكن حظه السوداوي أتى بأن تبقى له ذكرة مخلدة للآن،أما تلك السفينة التي لم تحمل بعد الحادثة سوا الحزن المحجوز داخل غرفة متحف تغير قطها الخشبية كل فترة حتى تحافظ على أسطورتها و تبقيها مخلدة و لكن هل ما زالت السفينة هي نفسها فهل بعد كل تلك الأخشاب المرموقة و النظيفة أبقت على تلك السفينة صاحبة القصص المثيرة كما كانت،كم إن هذه الفينة تشبه كائن فريد من نوعه يسمى الإنسان بحيث أنه كهذه السفينة فيغامر و يحصل على قصص و ندوب من ثم تبدأ هذه القصص بالتحول إلى دروس تغير الخشب القديم الذي فيه إلى خشب بلوطي جديد أم يا تراها تكون تلك أخشاب الجديدة طريقة لطمس هويته و ما يحب،فحتى لو كان الجانب الإيجابي أكثر إشراقاً إلا أن الحقيقة تقول أن هذه السفينة لا تتعلم كالبشر فهي قصة تروى يجب عليها أن تبقى على هيئتها حتى لو ذهبت و اندثرت فلا فرق بين ذهابها من عدمه ما دامت لم تحمل نفس الخشب،نفس الروح،نفس القصص و الروايات الأصلية المكتوبة على كل ركنٍ منها حتى و لو بدون كلمات،فهي تحمل كل رقصة،كل إنتصار،كل فرحة و حزن و ضحك و إحباط و حتى جنازة و من الممكن إحتفال زواج عليها،على سقفها و غرفها ،فمن الجيد أن تحافظ على الذكرى لا أن تغيرها و تبدلها إلى ذكرى كاذبة بدون روح حتى.