تفاصيل العمل

المصعد

بينما تصعد الروح للسماء، يهبط الجسد للأرض.

هكذا شعرت وأنا أنتظر نزول المصعد، وحين تفتح بابه، خرج عاملين يجران سرير حديدي عتيق، عليه جسد ملتف في ملائة شتويه ملونه، حينها نطق لساني: لا إله إلا الله، وساقتني قدمي داخل المصعد، وشمت أنفي بقايا المسك الذي رفض الذهاب مع الميت للغسل، وفضل المكوث في دنيا المصعد.

وبحكم عملي الطويل هنا، لم تعد تتملكني الدهشه تجاه أي شئ، لكن هذه المرة غصة في القلب شعرت بها، اندهشت وقلقت ولم أدري علة قلقي.

واصلت الغصة تمددها في حجرات قلبي، لكن دهشتي تبددت، إذ أقلب الأوراق أمام مكتبي، وأجد اسمها أمامي في دفتر الوفيات هذه الساعه:

"منتهى سيد حسين الخراز".

منتهى! ينطقونه دائما بلهجه صعيديه فصيحه، اسمعه الآن بأذن قلبي، وبعينيه أراها تبكي الحسين، وليدها وإمتدادها.

كنت والحسين طفلين، رفيقين، وملاكين:

لا نفترق طيلة اليوم إلا حين يطل الليل من مشربيات السماء، فيعود كل منا لبيته لينام، هكذا كل يوم، حتى جاء اليوم الذي ظل فيه الحسين ملاكا للأبد، وتحولت فيه أنا لإنسان، يومها كنا -كعادتنا- نلهو في الحياة ونسخر منها ومن العواجيز الذين يرهبونا لنكف عن اللهو، يجري الحسين وراء الكره، وبدل أن يصل للكره، تصل إليه سيارة حمراء فتقطف ضحكته، تسقط إبتسامته وتنزع صوته، لم أكن أعرف الموت حينها، ولم أعرف بالتحديد هل كانت السيارة حمراء حقا أم هذا دم الحسين؟!

لم أفهم ماذا حدث، لماذا صمت الحسين للأبد وأين ذهب، وأمام قبره أسئلها:

أين راح حسين؟

-راح لربنا.

-أين؟

-في السماء.

-كيف وقد وضعتوه داخل الأرض؟

فتصمت!

بعد هذا اليوم اعتكفت منتهى في محراب بيتها، زهدت في الحياه وإنقطعت عن الشوارع، لكني كرهت زهدها وإعكتافها، أحببت أن أراها تمشي في الدورب والعطوف والأزقه، كما عهدتها أنا والحسين.

لذا في عقلي رأيتها ألف مرة، تمشي حاملة صندوقها الخشبي على رأسها، ترتدي قلائدها حول عنقها، لكنني لم أستطع أن أعيد بسمتها القديمة، وبدلا من لمعان أسنانها الذي أحفظه حين تضحك، رأيت بدلا منهما نهران لا ينضبان يجريان بإستقامة على خديها.

حينها غير أبي مكان عمله بحثا عن حياه أفضل، تركنا شارعنا وأقمنا في مدينة جديده بعيده، وأنا كبرت، تخرجت من الجامعه وأديت الخدمة العسكريه، وطفت في البلاد، ذهبت وعدت، عملت، أقلت وأستقلت، ومضت بي الحياة كما تمضي بالآخرين، حتى وجدت نفسي هنا، بين أوراق الموتى.

لذا طوال هذه السنوات لم أعرف كيف عاشت منتهى السنوات الماضيه، لا أعرف حالها ولا حال ابنتيها وزوجها، كيف عاشوا، كيف كانت خطاهم، أنفاسهم، أحزانهم وأفراحهم؟ والآن لا أعرف كيف ماتت منتهى؟ ومتى؟ أتراها ماتت اليوم أم يوم رحل حسين؟!

لا أعرف أي شئ الآن، شيئا واحدا أعرفه:

الموت حرمني حسين والحياة حرمتني أمه، وإني بين أرواح الموتى التي في السماء وأجسادهم في الأرض، تائها بلا أحدثية أو خريطة، رغم كل الأوراق التي أعيش معها!

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة
المهارات