تفاصيل العمل

سحرتني القاهره، تلك التي لم أتخيل قط أن أحبها، فمالي أهيم هُياما بها.

تمسك يدي، تمشي بي في شوارعها، تضع فمها في أذني، تقرأ على تراتيلها، وتضع في حقيبتي حجابها وأحجيتها.

القاهره التي لطالما رأيتها القاهره لأبنائها، الآن تسحرني بسحرها، تغمرني بعظمتها، تنفخ في قلبي من روحها، وأنا أسلم أمري لها، أمنت بها، باسمها، بجمالها وعذوبة صوتها، وحتى تجاعيد وجهها.

فهي مع أبنائها لم تقهر أعدائها وفقط، لكنها قهرت سلاطينها الذين أضلوها، وملوكها الذين أرهقوها، وأمراءها الذين جاعوا فالتهموا قلبها، لكنها ما انحنت، ما خفت صوتها ولا غابت ملامحها؛ ولازالت تقف على أطلالها وتبتسم، كأنها تعرف أن الزمن، مهما طال، لا يقهر القاهرة.

أمشي في شوارعها، عطوفها ودروبها، وأستشعر القداسة فيها، هنا قلب مصر وعقلها، هنا تعاد كتابة التاريخ، فالقاهره تعبث في صفحاته، تمزق منه ما تريد، وتكتب بدلا منه ما تشاء، وكأنها ساحرة بحق تمحو الكلمات من دفاتر الزمن لتخط بدلاً منها ما تحب أن يكون.

هنا المنبر الذي تُلقي منه خطب المجد، فترتعش له أركان البلاد من أقصى جنوبها إلى أقصى شمالها، من شرقها إلى غربها، فالقاهرة لا تقرأ التاريخ مثلنا، بل تقهره ليجري في النيل وواديه كما تحب.

لذا دعوا القاهره تنثر سحرها، تبث بخورها وعطورها، دعوا القاهره، لا تقرؤوا عليها تعاويذكم الفاسده لتبطلوا سحرها، دعوها تتنفس كما تستحق، كي لا تقهركم وتعبث بمصائركم وأسمائكم.

✍️✍️✍️✍️

"1"

طوال الأسبوعين الماضيين ، رأيتُ أكثر من مجنون يهتف في الشارع بصوتٍ عالٍ ، لم يكونوا حفاة ولا بثياب ممزقة كما يصور "الجنون" في الأدب والسينما .

أحدهم كان يرتدي قميصًا أبيض وبنطلونا غامقًا وشنطة معلّقة على كتفيه ، فبدا كموظف خرج من مكتبه ، لكنه خرج من عقله أيضًا .

وقف أمامي يكلمني بغضبٍ عن أمرٍ لم أتبينه ، لكنه بدا لي وكأنّه واثق من أنني أعرفه ، وقتها لم أشكّ في رجاحة عقله لحظة ، حتى أنني ظننته يتحدث عن أشخاص أعرفهم ، فهمت كلماته لكنني لم أفهم مقصده .

ولولا أنني رأيته في اليوم التالي والذي يليه، يقف فجأة أمام الناس في الشارع ، ويتحدث بنفس الغضب عن أمورٍ مشابهة ، لما فكرت للحظة أنه فقد عقله.

"2"

وأول أمس باكرًا استيقظت واتجهت للبلكونه لأستقبل الشمس قبل أن تغضب ، فإذا برجل يمشي أسفلها وبصوتٍ عالٍ يصرخ :

" حسبي الله ونعم الوكيل يا شيماء " !

ظل يسبّها ويدعو عليها حتى غاب عن عيني وكأن الشارع كلّه لم يسع غضبه ، وكأن صوته المنفعل والعاجز هو الشيء الأخير الذي يملكه .

لا أعرف شيماء ولا أعرف من ذاك الرجل ، لكنني أدركت أن هذه أولى خطوات الرجل نحو فقدان عقله .

"3"

وبين هذا المشهد وذاك أضحكتني فكرة أن حتى "يونيفورم" المجانين لم يعد كما كان ، لا ملابس ممزقة ولا شعر منكوش ولا أعين زائغه .

فـالمجانين حولك في كل مكان ، في المقهى وفي القطارات والباصات ، في طوابير العيش وفي المساجد والكنائس ، وفي المدارس والجامعات وبشكل مباشر في شئون الطلبه وقسم الألمانيه بجامعة سوهاج ؛

وربما في المرآه .. فما يدريك لعلك واحدٌ منهم ؟

آه لم يبقَ سواي لأشك في جنانه !

قلتها مازحًا ولم يطل الإنتظار حتى جاءني الرد ، فأمس كنت أمشي وحدي كعادتي في شوارع مطحونه بالجنون واليأس ، وفي لحظة لم أنتبه لها وجدتني أقول بصوتٍ عالٍ جملة بالكاد أتذكرها ، ربما في كلماتها كنت أسب الحياة أو أقر بتفاهتها !

حينها لم أكن أكتب نصًا ، لم أكن أختبر أحبالي حنجرتي الذهبيه ولم أكن أمازح أحدًا ! قلتها دون وعي وكأنها خرجت من مكان أضعف أنا من السيطرة عليه .

لحظتها ضحكت ومن أعماق الذاكره قديمة يشدو منير في أذني :

" مليان جنان .. لكني عاقل" ..

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة
المهارات