تفاصيل العمل

"همسات في الظلام: البداية"

الليلة كانت باردة بشكل غير طبيعي، وأنا أقود السيارة في الشوارع الخاوية. كان الجو غريباً، كأن القاهرة بأكملها نائمة، لكني كنت مصمماً على أن أجد زبوناً أخيراً قبل العودة إلى المنزل. في شارع جانبي، رأيت رجلاً واقفاً تحت عمود إضاءة مطفأ، يرتدي بدلة سوداء قديمة، تشبه تلك التي نراها في الأفلام الكلاسيكية، وعليها علامات الإهمال. جاكيت البدلة كان يبدو مهترئاً عند الأكتاف، والقميص الذي تحته كان مجعداً ومتسخاً، أما ربطة العنق الرفيعة فكانت مربوطة على عجل وكأن من ربطها لم يكن يهتم.

فتحت الباب، فدخل الرجل دون أن يقول كلمة واحدة. نظرت في المرآة فرأيت ملامحه جامدة، ووجهه شاحب بطريقة غير طبيعية. عيناه كانتا فارغتين، كأنهما عينا شخص عاش في الظلام لسنوات طويلة. بصوت هادئ وغريب قال:

"إلى الكورنيش القديم... الفيلا هناك."

لم أكن قد سمعت عن هذا المكان من قبل، لكنني وافقت. كان الطريق طويلاً، وكان الجو يزداد برودة مع كل شارع نمر به. وبينما أقود في صمت مخيف، بدأت ألاحظ أشياء غريبة. في البداية، لاحظت انعكاس وجهي في المرآة يختلف عن صورتي الحقيقية؛ كانت هناك ابتسامة باردة ترتسم على انعكاسي بينما كنت في الحقيقة عابساً. حاولت تجاهل الأمر، لكن قلبي بدأ ينبض بسرعة.

بينما كنا نعبر شارعاً مظلماً، فجأة ظهرت أمامي امرأة ترتدي ثوباً أبيض، واقفة في منتصف الطريق. ضغطت على المكابح بسرعة، لكن السيارة لم تتوقف. مررنا من خلالها وكأنها لم تكن موجودة. شعرت ببرودة غير طبيعية تتسلل إلى السيارة، وبدأت يداي ترتجفان على عجلة القيادة.

الرجل بجانبي لم يُبدِ أي رد فعل، وكأن ما حدث لم يكن له وجود. نظرت إليه في المرآة، لكن عينيه لم تتحركا، وظل هادئاً بطريقة مخيفة. ثم، بشكل مفاجئ، انطفأت كل أضواء الشوارع المحيطة، تاركة الطريق في ظلام دامس. لم يكن أمامي سوى أضواء السيارة التي شعرت وكأنها بدأت تخفت ببطء، وكأن الطاقة تُسحب منها شيئاً فشيئاً.

أثناء قيادتي في هذا الظلام، بدأت أسمع أصواتاً غريبة قادمة من الراديو الذي كان مغلقاً. في البداية كانت همسات غير واضحة، لكن سرعان ما تحول الهمس إلى كلمات مكررة: "اهرب... اهرب الآن... قبل فوات الأوان!" حاولت تجاهل الأصوات واعتقدت أنني أتوهم، لكن الهمسات استمرت تزداد حدة ووضوحاً، وكأنها تحذرني من شيء مروع قادم.

الرجل بجانبي ظل صامتاً، وكأنه لم يسمع شيئاً، تاركاً إياي أغرق في خوفي. وعيناه ما زالتا ثابتتين، كأنهما جزء من الظلام نفسه. بدأت أشعر أن هناك شيئاً يحيط بي من كل الجهات، شيئاً غير مرئي، لكنه يضغط على صدري ويزيد من توتري. الهمسات التي كانت تقول "اهرب" أصبحت أكثر وضوحاً وقرباً، وكأنها قادمة من داخل السيارة نفسها. حاولت أن أهدئ نفسي، لكن قلبي كان ينبض بعنف. كيف أهرب وأنا في هذه السيارة؟ هل هذه الأصوات حقيقية؟ أم أنني بدأت أفقد عقلي؟

عندما وصلنا أخيراً، توقفت أمام الفيلا. كانت قديمة ومهجورة، وكل تفاصيلها كانت مرعبة. الأبواب الخشبية الكبيرة كانت مشققة، وحول الفيلا كانت هناك أشجار ميتة. المكان بأكمله كان مهجوراً وكأن الزمن قد نسيه منذ سنوات طويلة.

نظرت إلى الرجل في المرآة وقلت له:

"لقد وصلنا، كم هو الأجر؟"

ابتسم ابتسامة باردة، تلك الابتسامة التي لم أعد أطيقها، وقال:

"نسيت المحفظة في الداخل. هل يمكنك الدخول معي لأخذ نقودك؟"

في تلك اللحظة، بدأت الهمسات داخل رأسي تتعالى بشكل مخيف: "لا تدخل... اهرب الآن... إنه فخ!" كل شيء بداخلي كان يصرخ: "لا تدخل!" كان هذا الشعور يزداد قوة في داخلي، وكأن هناك قوة خفية تحاول دفعني للهرب. نظرت إليه وحاولت أن أتحاشى الأمر، فقلت:

"لا حاجة للدخول، خذ وقتك، سأنتظرك هنا في السيارة."

لكن نبرة صوته تغيرت قليلاً عندما قال:

"لا يليق أن أتركك تنتظر بالخارج، تعال معي، ستحصل على نقودك، لن نتأخر."

شعرت وكأنه يجبرني على الدخول، ولم يكن هناك مهرب. هناك شيء في طريقة كلامه يجبرني على عدم الرفض، لكن في داخلي كان هناك خوف لا يوصف. قلت له:

"حسناً، سأدخل سريعاً."

وأنا أمشي خلفه باتجاه الفيلا، كان قلبي مثقلاً، وكل حاسة في جسدي تصرخ أن هناك شيئاً خاطئاً. الهمسات لم تتوقف، بل ازدادت قوة: "اهرب... اهرب الآن!" شعرت وكأنها تأتي من جدران الفيلا نفسها، وكأن هذا المكان يحاول تحذيري من شيء مروع قادم.

دخلنا الفيلا. وما إن فتح الباب، حتى ضربتني رائحة عفن قوية، كأنها رائحة موت قديم. كان كل شيء متسخاً، والغبار يغطي المكان. الظلام كان يهيمن على كل زاوية، وصوت خطواتنا كان مرعباً، يتردد صداه في الأرجاء. الأرضيات كانت تصدر أصواتاً غريبة تحت أقدامنا، كأنها تحذرنا أو تحاول إيقافنا.

ما إن أغلق الباب خلفي حتى سمعت صوت إغلاقه بصوت مدوٍ، وكأنه يغلق عليّ باب الهروب الأخير. تجمدت في مكاني، وقلبي بدأ ينبض بسرعة مخيفة.

"ما هذا؟!" فكرت وأنا أحاول التراجع.، قلت بصوت متحشرج بينما كنت أشعر بالرعب يتسلل إلى جسدي. "أين النقود؟ دعنا ننتهي بسرعة"

لكن عندما نظرت إلى الرجل، تغير كل شيء. وجهه بدأ يتشوه، ملامحه أصبحت غير طبيعية، وكأن جلده يتحرك ويتبدل. بشرته بدأت تسود وتتشقق، وعيناه امتلأتا بالشر، كانتا تشعان ظلاماً لا نهاية له. جسده بدأ يطول بطريقة غير إنسانية، أطرافه امتدت بشكل مرعب، حتى ملابسه القديمة بدت وكأنها تتآكل لتكشف عن شيء أكثر رعباً تحته.

كان ينظر إلي بابتسامة شريرة، ابتسامة مليئة بالشر. بدأت الهمسات في رأسي تتحول إلى صرخات: "اهرب! اهرب الآن!" ولكن قدماي لم تتحركا.

صرخت وأنا أحاول التراجع، لكن الباب خلفي كان مغلقاً بإحكام. "من أنت؟! أخرجني من هنا!"

ضحك ضحكة مرعبة، كان صوته يملأ المكان بشكل غير طبيعي، وكأن الجدران نفسها تهتز من ضحكته. ثم قال بصوت هادئ وبارد، ولكنه ممتلئ بالرعب:

"أتظن أنك ستخرج بعد دخولك؟"

في تلك اللحظة، أدركت أنني قد دخلت في فخ لا مهرب منه.

يتبع......

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز
المهارات