تفاصيل العمل

كان السوق يكتظ بالمارة شارين وبائعين، وعلى رصيف يجلس شاب في الأربعين مبتورة إحدى رجليه، كان يمد يديه للمارة و يتذلل لهم؛ ليتعطفوا عليه بقطع نقدية يعيش عليها، وهو على حاله مرت به سيدة شابة معها طفل يبلغ من العمر إحدى عشر سنة تقريباً، منحته المرأة بضع من النقود و رجته أن يُبقي صغيرها رفقته حتى تعود بمشترياتها، وافق الشاب وأجلس الطفل جواره ومازال يشحذ و يتوسل المارة و يدعوا لهم متذللاً وإذا مر به أحد دون إعطائه أي شيء يدعو عليه .كان الطفل ينظر له بعينين بلوريتين تحملان براءة الطفولة حتى شعر الآخر بنظراته فسأله :ماذا تريد لما تحدق بي كثيراً ؟! أجابه الصبي بعفوية :لماذا تشحذ يا عم؟ .ضحك الشاب وأجاب :ألا ترى أن رجلي مبتورة .رد عليه الصغير :وهل هذا سبب لألا تعمل .غضب الشاب وبصق جانبا ثم أردف : ومن سيسمح لرجل رجله مبتورة لا يقوى على المشي جيدا أن يعمل عنده، وإن وافق فماذا سأعمل؟ جامع قمامة! .وعندما فرغ من كلامه قهقه عالياً بمرارة .بدت الحيرة على الصغير ثم أردف : ولكن قل لي يا عم هل بحثت عن عمل؟ وكيف كنت تعيش قبل الشحاذة ؟ تنهد الشاب وقال :لا لم أبحث، وكان والداي ينفقان علي، ومنذ ماتا رماني إخوتي وتخلوا عني؛ لضعف قوتي؛ يرون أنني أسبب لهم المعرة، كما تجاهلني رفاقي القدامى منذ بترت رجلي. تحدث الصغير ببراءة فقال : وهل هذا سبب كافي لتشحذ؟ ليس لديك رجل ولكن لديك الأخرى ولديك يدان وفم وأنف وعينين وأذنين ربما لن يسمح أحد لك بالعمل عنده ولكن ألا يمكنك استخدام أموال الشحاذة وصنع عملك الخاص وهكذا تحلله وتتخلص من الذل والمهانة. أصدر الرجل ضحكة ساخرة ولكن في باطنها متألمة أن تلك المواعظ تأتيه من طفل صغير وقال : من يعملون يا حبيب والديك لا يكسبون في يومهم ما أكسبه في ساعة من راحتي ومذلتي. أطرق الصغير قليلاً يفكر ثم رد على الشاب :ولكنهم يحصلون على رزقهم من الله بالعمل الحلال الشريف الذي يرضونه، ويسعدون بالرزق القليل ولا يتذللون ولا يدعون على الآخرين، وأنت إن عملت نلت رزقك وإن شحذت نلت ذات الرزق ولكن بغير الحلال وبالمذلة والجميع يشفقون عليك ألا ترى نظراتهم.

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
عدد المشاهدات
4
تاريخ الإضافة