في مدينة هادئة على أطراف النهر، حيث تتداخل أصوات العصافير مع ضجيج السوق الصغير، عاش "عادل" الشاب الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين. كان مختلفًا عن أبناء جيله؛ لا يحب الصراخ ولا الازدحام، وكان دائمًا يبحث عن معنى أعمق لكل شيء يدور حوله.
ورغم هدوئه الظاهر، إلا أن داخله كان مليئًا بالأسئلة التي لا تنتهي.
بدأت القصة قبل خمسة وعشرين يومًا فقط…
يومها استيقظ عادل من النوم على صوت رسالة تصل إلى هاتفه. لم يكن الأمر غريبًا، لكنه شعر بأن شيئًا مختلفًا في تلك اللحظة ينتظره. فتح الهاتف بكسل، ليجد رسالة من رقم مجهول تقول:
"ستعرف الحقيقة قبل الفجر… فقط استمر."
ارتبك، لكنه تجاهل الأمر وخرج إلى عمله. كان يعمل في مكتبة صغيرة يحبّها، وتعلّم فيها أنه لا شيء يمكنه تغيير حياة الإنسان مثل كتاب جيد. وفي ذلك اليوم بالتحديد، لاحظ شيئًا غريبًا… كان ثلاثة من الزبائن يسألونه عن كتاب واحد بعنوان:
"حين يفيق القلب."
لم يكن الكتاب مشهورًا، بل نادرًا حتى، لكن طلب الناس المفاجئ جعله يشعر بأن الموضوع ليس صدفة. عاد إلى منزله تلك الليلة وهو يفكر في الرسالة وفي هذا الكتاب الغامض. حاول أن ينام لكنه لم يستطع، فقرر أن يبحث عن الكتاب بنفسه. ظل يبحث حتى وجد نسخة قديمة منه في أحد المخازن البعيدة داخل المكتبة.
فتح الكتاب عند الصفحة الأولى… وكانت الصدمة.
الفقرة الأولى كانت نسخة مطابقة لما حدث معه صباحًا، نفس الجملة، نفس التفاصيل. وكأن الكتاب كان يراقبه!
مرت الليالي التالية ببطء. كل يوم يفتح فيه صفحة جديدة، يجد ما يشبه رسالة موجّهة إليه، تخبره بخطوة جديدة يجب أن يقوم بها.
في الليلة السابعة، طلبت منه إحدى الصفحات أن يزور مكانًا مهجورًا عند أطراف المدينة، وهناك وجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا، بدا وكأنه لم يُفتح منذ سنوات طويلة.
وعندما فتحه… وجد مذكرات قديمة تحمل اسم رجل لم يسمع عنه من قبل:
"صفوت إبراهيم."
المذكرات كانت مليئة بتفاصيل حياة غامضة لرجل عاش سنواته الأخيرة في عزلة تامة. لم تكن مجرد مذكرات، بل كانت أشبه باعترافات.
أخطر ما فيها جملة كُتبت بخط مرتعش:
"من يجد هذه الصفحات… سيكمل ما بدأتُه."
بدأت الأحداث تتشابك. كل يوم يكتشف قطعة جديدة في لغز كبير، وكل صفحة من الكتاب الذي وجده في المكتبة كانت تدله على خطوة تالية.
ومع اقتراب اليوم الخامس والعشرين… بدأت الرسائل تصبح أكثر وضوحًا:
"أنت لست هنا صدفة."
"كل شيء مخطط منذ زمن."
"الوقت يقترب."
وفي الليلة الأخيرة… تحديدًا قبل الفجر بدقائق، فهم عادل الحقيقة.
لم يكن "صفوت إبراهيم" مجرد رجل عاش في عزلة… بل كان آخر حلقة في سلسلة طويلة من أشخاص يملكون قدرة نادرة على رؤية أشياء لا يراها الآخرون.
أشخاص مهمتهم أن يحفظوا ذاكرة المدينة… أن يسجلوا كل شيء يضيع مع الزمن.
كانوا يسمّون أنفسهم:
"حرّاس الفجر."
والكتاب الذي وجدَه… لم يكن كتابًا عاديًا. بل كان اختبارًا.
والمذكرات… لم تكن قصة شخص واحد، بل كانت رسالة امتداد لمن سيأتي بعده.
وفي تلك اللحظة، وقف عادل أمام المرآة وهو يدرك شيئًا لم يكن يتوقعه:
أنه أصبح الآن الحارس الجديد.
وأن مهمته ستبدأ…
تمامًا…
لحظة شروق الفجر.