رؤية رمزية تظهر ملائكة ساقطة
لا آحد يعلم الحقيقة كاملة.
نحن هنا لا ندعي كشف اليقين، بل نزيح الستار عن أبواب ظلت مغلقة لقرون، محروسة بصمت الأساطير، وعجز العلوم، وغرابة التجربة البشرية نفسها.
لقد هبطنا في المقالات السابقة إلى عمق الأرض… والآن، سنصعد.
سنرتقي إلى حيث لم تطأ قدم بشر، ونغوص في أبعد نقطة في المحيط… حيث لا ضوء ولا زمن ولا تفسير.
هنا، على الحافة بين السماوات السبع وأغوار المحيط، نقف أمام أعظم الألغاز؛
من هم الملائكة الساقطة؟
هل هناك فعلاً كائنات نورية؟
ما هي علاقة الجن بأعماق البحر؟
وما سر المخلوقات التي تحدثت عنها الأساطير القديمة، من حوريات البحر إلى ملوك الأعماق؟
هل هناك عوالم أخرى، لم تُخلق للنور؟
أم أن النور نفسه… خُلق ليحجبها؟
الملائكة الساقطة؛ من هم؟ وهل حقاً سقطوا؟
في أغلب المرويات الإبراهيمية، الملائكة مخلوقات نورانية لا تعصي الله ما أمرها. وهذا أمر محسوم في القرآن:
“لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ”
-سورة التحريم، الآية 6
إذن… من أين جاءت فكرة “الملائكة الساقطة”؟
النصوص غير القانونية (الأبوكريفا) في اليهودية والمسيحية، يظهر اسم “سيمياسا” (Semyaza) كقائد لعدد من الملائكة الذين نزلوا إلى الأرض وارتبطوا بنساء البشر.
كما يظهر اسم “عزازيل” (Azazel) ككائن نزل بالمعرفة المحرمة وعلم البشر أسرار الحرب والسحر والتزين.
لكن هذه القصص، في السياق الإسلامي، لا تنطبق على الملائكة. بل يربط بعض المفسرين بين عزازيل والجن، ويعتبر إبليس نفسه من الجن الذين كانوا في السماء مع الملائكة، وليس من جنسهم.
إذن… هل الأمر التبس على من دونوا تلك القصص؟
هل كانت الكائنات التي “سقطت” من السماء ليست ملائكة، بل جن ظهروا على هيئة نور؟
هل قدمت الحضارات القديمة رموزاً خادعة، صورت الجن كـ”ملائكة ساقطة” لخدمة ايديولوجيا معينة؟
هاروت وماروت؛
في قلب بابل، ووسط تعاويذ غامضة وعلوم خفية، انكشف الستار عن أعقد فتنة عرفتها الأرض في هذا العصر، هاروت وماروت… اسمان ترددا في الكتب السماوية والأساطير، وارتبطا دائماً بموطن واحد: بابل، مركز السحر، والبوابة الغامضة بين العوالم.
“وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ”
-سورة البقرة، الآية 102
هذه الآية أثارت جدلاً واسعاً. فهل الملائكة يُعلمون السحر؟ وهل اختبر البشر بهم؟
الرئي الأرجح لدى العلماء المسلمين أن الله ابتلي الناس ليكونا فتنة، و يحذران الناس أن هذا سحر لا يجوز، وأنه من عمل الشياطين.
ولم يذكر أنهم عصوا الله، بل أنذروا الناس وقالوا لهم؛ “إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ”
هنا تتأكد القاعدة الإسلامية، الملائكة لا يعصون الله أبداً.
لكن في الإسرائيليات، القصة تأخذ منعطف أكثر غرابة، وأكثر ظلالاً.
الرواية الإسرائيلية هبط إلي الأرض عزازيا (وهو اسم مذكور في بعض المصادر العبرية) وشمهزيا أو سيمياسا (الذي يظهر لاحقا في كتاب “أخنوخ”).
حين أسكنوا في الأرض، فتنوا بجمال امرأة اسمها زهرة.
فطلبوا منها لقاء، فاشترطت أن يعلموها اسم الله الأعظم. فلما أخبروها، نطقت به وطارت إلى السماء، فحولها الله إلى كوكب الزهرة عقابا لها أو لهم، بحسب اختلاف الروايات.
أما هاروت وماروت، فقد فرض عليهم العقاب، إما عذاب الآخرة… أو العقاب في الدنيا. فاختارا العقاب الدنيوي، فحبسا معلقين من أرجلهما في بئر ببابل، يعلمان الناس السحر، فقدوا طبيعتهم الملائكية، لم يعودوا ملائكة بعد تلك الحادثة. سقطوا من النور… وفرضت عليهم الصورة البشرية، كدلالة على الانحدار من مقام الطاعة الخالص.
أسماء محتملة في الإسرائيليات؛
عزازيا: يربط أحيانا بـ “عزازيل”، رغم اختلاف السياق.
شمهزيا / سيمياسا: يظهر في كتاب “أخنوخ” كقائد للملائكة الساقطة.
أوسايل: في بعض الأساطير التلمودية، ذكر كاسم آخر متصل بالفتنة.
("الإسرائيليات" لا تعد مصادر موثوقة)
لكن يبقى السؤال… من هم أولئك الذين نسبت إليهم المعصية والسقوط؟ ربما كانوا من الجن… متنكرين في ثوب النور!
رسم عام 1703 يظهر، هاروت وماروت مقيدان مقلوبان في بئر إلى يوم القيامة
هاروت وماروت مقيدان في وضع مقلوب في بئر
كائنات النور؛ المجهول الذي فوق السماء
هناك إشارات غامضة في كتب التصوف الإسلامي واللاهوت المسيحي عن كائنات نورية لا توصف، لا هي ملائكة ولا بشر، ولا حتى جن.
بعض الفلاسفة المسلمين مثل السهروردي تحدثوا عن “الأنوار المجردة”، و”الملأ الأعلى”، و”الكائنات فوق الملائكة”.
فهل هناك فعلاً طبقات من النور، وكلما ارتقينا اقتربنا من الحقيقة؟
هل هناك من يحرس السماء السابعة؟
هل هؤلاء الكائنات يعيشون في أبعاد لا يمكن للعقل البشري تصورها، كما جاء في أحاديث المعراج؟
وفي الإسرائيليات، يروى أن فوق كل سماء، كائنات لا يعلم طبيعتها إلا الله… بعضها يسبح دون توقف، وبعضها يسجد من خلقه إلى قيام الساعة.
الجن في أعماق البحار: أسياد الغمر الخفي؛
“وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ”
-سورة الحجر، الآية 27
“وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ”
-الرحمن، 15
“مارج من نار” تفسر كاللهب المختلط بدخان… أو كما يسميه البعض: نار ذات طيف متحرك.
لكن لماذا يظهر الجن في القصص البحرية بكثرة؟
في مرويات السواحل، يحكى عن أصوات تخرج من البحر في الليالي المظلمة… عن كائنات تظهر ثم تختفي… عن سفن تختفي دون أثر.
هل يعيش الجن فعلاً في قيعان البحار؟
هل هناك عوالم كاملة، طي الماء، لا يراها إلا من اختاره القدر؟
وإن كان البحر غامضاً، فالجن أكثر غموض… وقدرتهم على التشكل تعني أنهم ربما، يوماً ما، خدعوا حضارات بأكملها.
قبل أن يخلق الإنسان، كانت الأرض مأهولة بأمم من الجن، هكذا تذكر العديد من المصادر الإسلامية وبعض اليهودية القديمة، هؤلاء الجن كانوا مخلوقات عاقلة، مسيرة بأمر الله، لكنهم لم يثبتوا على الطاعة. فسفكوا الدماء، وخاضوا حروب دموية بين قبائلهم.
في بعض الروايات، أرسل الله إليهم جيوش من الملائكة لطردهم ونفيهم إلى أقاصي الأرض، والجزر النائية في البحار والمحيطات.
وبعضهم غاص إلى أعماق المحيطات (ويذكر انه يوجد جن، يسمى بالجن الغواص، كانوا يغصون فى اعماق البحار لأستخراج اللآلئ والكنوز لنبي الله سليمان.
ومن هنا نشأت فرضية أن الجن اليوم يعيشون في أعماق البحار والمحيطات، بعيداً عن أعين البشر.
ويقال أن بعضهم يخرج من الماء بأشكال مختلفة، متجسد في هيئة بشر، أو حيوانات، أو زواحف…
وهناك من يربط هذه القصص بما يحدث في “مثلث برمودا”، أو بتفسيرات لأساطير “ملوك البحر” في الميثولوجيا الإغريقية، حيث توصف مخلوقات بحرية بقدرات خارقة، وعيون متوهجة، وكأنها امتداد لسكان قدامى… لم يرحلوا قط، بل اختفوا من سطح الأرض فقط
حوريات البحر (Mermaids);
من الإغريق إلى الفراعنة، من بابل إلى الفايكنغ… تتكرر صورة “المرأة البحر” أو “الحورية”، المخلوق نصفه إنسان ونصفه سمكة.
في الأوديسة، حذّر هوميروس من “الصفير القاتل” لحوريات البحر.
في الأساطير السومرية، يظهر الإله “إيا” ككائن بحري يعلم البشر أسرار الحضارة.
في الفلكلور العربي، هناك قصص عن “الغانيات البحريات” اللواتي يظهرن للبحارة، ثم يسحبنهم إلى الأعماق.
من هم هؤلاء؟
هل هم من الجن؟
هل هم تجل لكائنات تعيش في طبقة من الوجود المائي لا نعلم عنها شيئاً؟
نظرة ختامية بين الأعماق والعلو… نحن عالقون في المنتصف…
لقد بدأنا رحلتنا من الأرض المجوفة… عبرنا الأنفاق، سمعنا صدى المجهول، ولمحنا أطياف لا ترى.
ثم ارتقينا… إلى بوابات السماء… فوجدنا أنفسنا محاطين بكيانات لا تشبهنا، ولا تشبه ما ندرك.
فوقنا طبقات نور، وتحتنا أعماق لا قرار لها.
فمن نحن؟
وأين نقف؟
هل نحن على سطح العالم، أم في منتصفه؟
هل السماء والبحر هما بابان لعوالم لم نخلق لنراها او أعيننا غير مهيأة لتراهم؟
في الختام…
هذه السلسلة لم تكن مجرد سرد…
بل دعوة لإعادة التفكير في كل ما نعتبره “حقيقة”.
ليست خيال… بل محاولة لفهم واقع أوسع من حواسنا.
نحن لا نعيش وحدنا.
هناك من كان قبلنا… وهناك من يعيش معنا… وربما من يراقبنا من فوق أو تحت.
وأنت الآن… عزيزي القارئ، لم تعد كما كنت قبل أن تبدأ هذه الرحلة!
المصادر:
•القرآن الكريم — سورة البقرة، الآية 102 (هاروت وماروت)
•تفسير الطبري وابن كثير — في شرح آية هاروت وماروت
•القرطبي — الجامع لأحكام القرآن، في تأويل خلق الجن
•كتاب: The Book of Enoch (لقصة سيمياسا والملائكة الساقطة)
•Legends of the Jews، by Louis Ginzberg
•كتاب: البدء والتاريخ للمقدسي
•كتاب: الجن في القرآن والسنّة لمحمد متولي الشعراوي
•موسوعة “Myths from Mesopotamia” (لمقارنة الأساطير المائية)
•موسوعة “The Element Encyclopedia of Magical Creatures
إذا أعجبك المحتوى أشترك فى المدونة ليصلك كل جديد، وشاركني رأيك في التعليقات.