_ الخروج إلى مسرح الحياة :
(أجلس في زاويتي التي صارت جزءًا من جسدي، في هذا المقهى العتيق الذي يشبه خزانة الذكريات. كوب القهوة المرّة بين يديّ كرفيق صدق في هذا العزاء الطوعي. أصابعي ترسم دوائر من وخطوط غير مفهومة على الزجاج البارد، وأنا أراقب عبر النافذة المُغَبَّرة عالماً ينسلخ عن ذاكرتي قطعة قطعة.)
ها هو شريط حياتي يتدحرج:
كنت في السابعة من عمري، وكانت قدماي تتأرجحان في الهواء لأنها لم تكن تلامس الأرض. كان أبي -رحمه الله- يجلس أمامي كجبل شامخ، رائحة غليونه المعتقة تمتزج مع عبق القهوة العربية. كان يشير بإصبعه المثقوب بالعمل إلى الشارع ويقول: "هناك، حيث ذلك البرج الزجاجي الآن، كانت تقع مدرستنا. كنا نجرّ حقائبنا على الطريق الترابي، ونحن نحلم بيوم مثل هذا." كنتُ أضحك لأنني لم أفهم لماذا تبلل الدموع عينيه وهو يبتسم.
في الخامسة عشرة، تحول المقهى إلى ملجئي السري. كنت أختلس الساعات بعد المدرسة، منكبًّا على دواوين الشعر القديمة كأنني أفتش عن كنز ثمين لا أريد أن يراه أحد . وفي أحد أيام الربيع، بينما كنت أقرأ قصيدة "إليها" لأحمد شوقي، سمعت صوت حقيبة تسقط. انحنيت لألتقط الأوراق المتناثرة، فصادفت عينان لا أنساهما. "سمر".. كانت الفتاة الهادئة التي لطالما رأيتها في هذا المقهى القديم والبارد ... تحمل كتب الجغرافيا بين ذراعيها، وتحمل إبتسامة في ذلك الثغر الفاتن .... التي لطالما كانت دواءً للنفوس المتعبة .. وسحراً يمحو كل ماهو كئيب ..... لازلت أتذكّرها ....
(أخرج المحفظة المتشققة من جيبي، وألمس الورقة البالية التي صارت جزءًا من كياني المتعب كم مرة حمّلتُ هذه الورقة همسات لم أجرؤ على قولها؟)
في ربيع العشرين، كنت أجلس هنا لأرسم مستقبلاً ورديًا. كانت طموحاتي كالجبال، أحلم بأن أصبح مهندسًا أدير مشاريع ضخمة. كنت أضع خططًا على ورق الرسم المتين، وأحسب تكاليف أحلامي. لم أكن أعلم أن الحياة ستأخذ بي إلى منعطف آخر.. إلى فصل دراسي في مدرسة حكومية، حيث
أصبحت أعلّم الأطفال كيف يقرأون الحروف، بينما كنت أنسى كيف أقرأ حياتي.
(أشرب رشفة من القهوة التي صارت مرّة كالندم، وأقرر أن أمشي في متاهات المدينة)
رحلة في شوارع الذاكرة:
أمشي في شارع النخيل الذي لم يعد من النخيل فيه إلا الظلال. هنا كنا نلعب الغميضة بين الجذوع الضخمة، ونخبئ أسرارنا في ثناياها. الآن تقف السيارات مكان أحلام الطفولة، وتضيء اللوحات الإعلانية مكان النجوم.
أقف أمام "سينما النهضة" التي تحولت إلى مركز تجاري بارد. أتذكر ذلك المساء الذي اصطحبني فيه أبي لمشاهدة أحد الأفلام . كان يضحك من أعماق قلبه بينما كنتُ أنا أحاول فهم لماذا يبكي البطل في النهاية. الآن أفهم.. كنت أشهد على أول درس غير مقصود عن الحياة . أمام ما كان يومًا مدرستي الابتدائية، التي هُدمت لتحل مكانها كتل إسمنتية. أغمض عيني فأرى ساحة المدرسة تعج بالحياة: "مازن" الذي خطفته سيارة مسرعة في يوم ماطر، و"خالد" الذي حمل حلم الهجرة إلى أمريكا ولم يعد، و"فاطمة" التي تزوجت وأصبحت غريبة عنا كأننا لم نكن نكتب أسماءنا على مقاعد الفصل.
العودة إلى الملجأ:
أعود إلى زاويتي في المقهى كالمجنون الذي يعود إلى جدران مستشفاه. كوب القهوة لا يزال ينتظرني، باردًا كيد القدر . النادل الشيخ "أبو علي" يبتسم لي كما كان يبتسم لأبي من قبل. كم قصة خبأنا بين هذه الجدران؟
أتذكر أمي -رحمها الله- وهي تقول لي: "يا بني، هذه المدينة تشبه خزانة الملابس القديمة.. تخلع عنها أثوابًا وترتدي غيرها، لكن رائحة الماضي تظل عالقة في جدرانها وإلى الأبد ....
(أدفع الحساب وأضع إكرامية إضافية لأبو علي، فهو آخر حراس مملكة الطفولة)
في طريق العودة:
أمرّ بجانب السينما المهجورة مرة أخرى، وأتخيل أنني أسمع ضحكة أبي تملأ الأجواء. أرى ظل سمر وهي تمشي بكتبها. أسمع أصوات أصدقاء الطفولة وهم يلعبون بالكرة.
أدرك فجأة أنني لست رجلاً في الخمسين يعود إلى منزله الفارغ، بل طفل لا يزال يبحث عن أبيه بين الحشود، وشاب لا يزال ينتظر نظرة من حبيبته، ومعلم لا يزال يحاول فهم معنى الحياة.
(أصل إلى باب المنزل، وألتفت للمدينة التي لم تعد تعرفني)
همسات الوداع:
شكرًا لأيام مضت تركت في قلبي ندوبًا جميلة كالوشم الذي لا يزول .. شكرًا لكل وجه اختفى خلف زحام المدينة وصخبها.. شكرًا لكل صوت انضم إلى جوقة الذاكرة التي لازالت تعزف في صمت .
غدًا سأعود إلى المقهى.. لأنني هناك.. حيث ما زلتُ طفلًا ينتظر أباه.. وشابًا ينتظر حبيبته.. ورجلًا ينتظر معنىً يملأ الفراغ.
هناك، حيث تتحول القهوة المرّة إلى شراب حلو
بالذكريات، وحيث تتحول الوحدة إلى جلسة مع كل الأرواح التي رحلت والأرواح التي لاتزال .