صوب رمزية مفعمة بالدهشة وبعد تحريض حرفي بحنكة عالية كانت قراءتي الإبداعية لقصة حيكت بحرفية عالية لترسم خطوط تشبه كاتبها بالعمق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة .....
النمر الذي وقّع بدلًا عن الجميع
كان النمر قد نسي كيف يزأر لكنه لم ينسَ كيف يوقّع جاءه رجل أنيق
قال له: - وقّع على السلام
قال: - مع من؟
قال: مع من قَصّ أذنيك وأعطاك ربطة عنق
طلب النمر بدلة رسمية ووشاحاً مكتوبًا عليه "نمر السلام" وصفّق لنفسه بعد التوقيع
صفقوا له،التقطوا له الصور،ثم أعادوه إلى قفصه…
وقالوا له: الآن أصبحت حرًا
في الليل خلع الوشاح ونظر في المرآة فلم يرَ نمرًا بل موظفًا صغيرًا ينتظر راتب الغفران
في الخارج مرّت أرملة تحمل عظام ابنها
سألته: هل كنت نمرًا؟
قال: كنت... لكنني وقّعت.
فقالت: أما أنا فدفنت ابني ولم أوقّع.
ومشت.
وبقي هو، يُدرّب صوته على الزئير لكن كل ما خرج منه… كان مواءً.
نضال الخليل
Alkhalil Nidal
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السلطة تصنع وعي زائف نحن أمام قصة أخذت مأخذ الجلاد الذي سيترك أثرا على كل طريق
على طبق من الدهشة يقدم لك القاص والناقد نضال الخليل وجبة دسمة بالتخمة المجتمعية فتتكور على ذاتك كما لو أنك لم تكن يوما ولن تكون
هكذا يصحبك الكاتب لأعلى نقطة في السماء ثم لأقرب نقطة تغوص بها قدمك في عرض الأرض
بداية بالنمر و بحنكة نحوية مكثفة تحمل مضمون التعريف المبهم يبدأ المخاض
و يضعك أمام تأويلات عن ماهية النمر الذي ذكره القاص في أول قصته والغرض منه ضمنيا اثارة القاريء فهو لم يتطرق للخبر ليفي بهذا الغرض
والاسم الموصول (اللذي)وظف ليسعف مخيلتك لما هو قادم
وهنا أعيدني للنمر مرة أخرى والذي شكل الهيمنة والسلطة وعدم الخضوع والتفرد وتوافق ذلك مع انتزاع القرار من الجمع واختزاله بالفرد
القاص والناقد نضال الخليل يحمل أسلوبا فلسفيا تكتيكيا وكان هذا واضحا في (( نسي كيف يزأر لكنه لم ينس كيف يوقع ))
هذه الجملة عتبة تحول كبرى لمسار القصة ونقطة مفصلية ومفارقة صعبة ذات حنكة بليغة من قاصنا ما بين الهوية الحقيقة للنمر وذلك برمزية الزئير والذي فقدها مقابل الخضوع لمطالب يعلم مآخذها جيدا وهويته المكتسبة
وأعترف بهذه اللحظة بأن صفعات القاص المتتالية بدأت تسحبني للأعلى لتلك النقطة في أبعد باحات السماء ... لتعيدني اللي بشكل أو بآخر لأغرق بالرمزية المدهشه مرة أخرى فالنمر في حضرة رجل انيق وان دل فإنه يدل على السلطة الناعمة والتأثير القوي والقرار
ليحول طلقات البندقية الى حروف بحجة سلام.. يخضع له الآخر ..يتنصل من القوة... وهذا فلسفيا
الأذن وربطة العنق ندوب تبين لنا الصفقة الخاسرة منذ البداية فتوقيع السلام لن يكون إلا أن كنت مغيبا لا تدرك ولا تسمع ولا تعي وبذلك أشار قاصنا المتفرد بقص الاذن وهدية ظاهرة تبقيك تحت السيطرة والخضوع تلتف حول عنقك مدى الحياة على هيئة ربطة عنق
في عالم الرموز تصبح المحاكاة اقوى من الأصل ) شهادة (( جان بودريار ) التي تراءت لي وبرزت بلحظة الاستيعاب الكامل للخطاب القسري السلطوي و تبنيه والدفاع عنه وطلب المكافئة على ذلك بوشاح زائف
و بما أن التصفيق يتبع الطاعة وجوديا و يلح علينا بكابوس كيف تمنح الجوائز للاصوات الخانعة لا للاصوات الحرة كان التصفيق حار بتوثيق مغاير للحقيقة وبعودة متوقعة للنمر إلى القفص
بإعتقاده بأن القفص الموطن الفطري وبنيله زبدة الروح من خلال أوسمة سلام مسموم
منذ الفجر الاول لهذه القصة وبإصرار من كاتبها كان التشبث محسوسا بسخرية وجودية بحته تشعرك بأنك أمام نص فلسفي عميق يعي كيف تسلب الهوية ويزرع الوعي الزائف مجازا
وقد أجاد قاصنا الرمزي الأخاذ بفضح زيف اللغة حين تستخدم بألفاظ بغلفة للعبودية في الكثير من المواضع
عندما يكون القاص متمكنا من روح حرفه يتنقل في بحور اللغة وقد برع الكاتب في استخدام الفعل الماضي ليعكس التحولات الداخلية والخارجية مثل خلع ..نظر ... طلب ... وأجاد توظيفها بدهشة
الخليل يستخدم أسلوبا رمزي مكثف و حوار فلسفي عميق ولغة مباشرة محملة بٱستعارات سياسية وجودية وانعكاسات داخلية بحوار انفعالي مع الذات فالمرآة رمزيا بالنسبة للقاص لن تعكس إلا جوهر الوعي الصادم وفي الليل تزاح الأقنعة والأوسمة الزائفة لتكون أنت كما انت
الأرملة صحوة مجتمعية وكرامة مكتسبة رغم كل قيد وألم وتضحية ... عجلت في أنقاذ ما تستطيع انقاذه وان كان المقابل فقد روح
وبعين خبير بالنقد والقص كان الخطاب الرمزي التفكيكي لقاصنا والذي استعمل به اللغة لا لتوضيح الحقيقة بل لكشف تهافت الحقيقة الظاهرة في سؤال الارملة للنمر (( هل كنت نمرا ؟؟ ))
يلتبس عليه الأمر يراوده التساؤل إن كان الزئير ماهيته أم هو النمر أم القطه أم ذاك المواء ليفقد أي صلة بهويته الكونية
ليقف أمام ذاته المجردة من كل هوية محاولا استعادتها لتكون الصفقة و الصفعة الأخيرة القاص محنك يمتلك قدرة سردية رمزية تعطي العقل مساحة تأملية للذات بأبعاد وجودية تحملك على أكف من صراع أمام مرآتك وصوت صوتك الداخلي يردد
"لا شيء أكثر بؤسًا من مخلوق ينسى كيف يكون هو.". ## لادياس