تفاصيل العمل

رؤية في سيكلوجية الإنسان المبدع

في المسرحة القصصية للقاص المسرحي الإعلامي أحمد أبو حليوة

في خضم توقد الحطب تزيد النار هشيماً، وفي ذروة الشيء ينبثق الوهج الخفي فيعبد الطرقات الصعبة.

اعتدت أن أبدأ من البداية إلا أنّني سأختار المنتصف، وأنا على يقين تام أن النصف هو الرقم الصعب وخير الأمور أوسطها.

في شتى أوساط المجتمع تغلب ظاهرة ضغط النظائر، إذ فيها ينكفئ الفرد على نفسه ليكون نسخة مكررة لا تخلو من التشابه العقيم والإبداع المتكرر والفكر المغلق المحنّط، إلّا أنّنا ما شهدناه في أعمال المبدع أحمد أبو حليوة كان مخالفاً لذلك متجاوزاً الظواهر المتبعة والطرق المستوية، ليسير طريقاً صعباً في الصعود إلى قمة الهرم، وليكون مختلفاً إبداعاً ومحتوى وفكرة.

المسرحية المنودرامية (قهقهات المدينة) إيقاع من التجلي الروحي الجسدي، وهو عمل عبّر به مخرجه ومؤلفه ومؤديه عن تجربة صعبة صقلت مع الأيام والعمل الجاد والإيقاع المنتظم.

قهقهات المدينة ليست العمل الأول للمسرحي أحمد أبو حليوة بل هي العمل الرابع من أعماله التي تقع تحت أطر المَسْرَحَة المنودرامية، وبالرغم من رفض ضمني من قبل بعض النقاد ربما لمفهوم المَسْرَحَة القصصية بالشكل المندرامي الذي لم يتم التوقف عنده، ربما لأنها تحتوي على شخصية واحدة، يطغى عليها المونولوج الداخلي، إذ اعتبروها منقوصة لأنها تفتقد لعنصر الحدث الحي، إلا أنّنا لاحظنا اكتمالها بهذه التجربة بتوظيف مدهش للحدث، وذلك من خلال عدم اتخاذ السردية مسلكاً والتوظيف الإيحائي للشخصيات والاتكاء الناجح للحوار، وبهذا كانت الرد القوي بقوة العمل على نجاح المَسْرَحَة المنودرامية بقالب قصصي جميل.

وما نلحظه في الكثير من المواقع الحكمة الخالية من الزيف، فكانت الحقائق واضحة بواقعية متخمة بالمشهدية الصاخبة، وذلك كان في مشهد العمل، وفي مشهد الروتين اليومي القاتل، حياة يعيشها كلّ منا تتجسد في مشهد مونودرامي محكم.

والجدير بالذكر بأن هنالك مواقع كثيرة اتخذت فضاءات بصرية تعبيرية خلاقة لتعبر عن لغة الجسد بحرفية عالية، كما في مشهد الطبيب ومشهد تجسيد فتح باب العمل وإغلاقه.

أبو حليوة كان الانعكاس لكلّ منا في مونولوج داخلي لرفض القهر، موضحاً سيكلوجية الإنسان المسحوق.

وكان ذلك جلياً في مشهد اللعبة، كيف تسربت المراراة إلى داخلنا، والمسبب لعبة ميتة لا تتحرك ولا تغني.

وفي مشهد نجاح الابن، كنا أمامنا ليلتبس الأمر علينا لنقف صوب تساؤل يحمل خطوط حمراء تحدّ من ذاكرتنا، لنتّحد مع ألم مرير مصحوب بالفرح، غريب أمر الحياة، كيف لفرح أن يخلق ألماً يوازيه وأكثر؟!

مسرحية قهقهات المدينة تحمل شخصية تجذّرت بكلّ منّا بكلّ ما بها من جنون فطري إلا أنّنا من وجهة نظر مسرحية صادقة أنّنا نقوم بكبتها إلى أن تموت فنموت.

مشهد غرس أظافر الندم في ذاكرتنا فصفعنا الواقع، وركلنا الحدث أمامنا لصرخة الروح.

الكرسي حاضر في أعمال أبو حليوة وهو يعلمنا كيف نتخذ رفيقاً ونوفي له أينما حللنا، فهو ذو دلالة كبيرة وظفها أبو حليوة، وهذا ضرب من ضروب الإبداع بحيث يجعل المتلقي في تخيل تام للشخصيات غير المرئية من حيث الحوار وردود الأفعال بطريقة بسيطة، إلا أنّها عميقة لتجعل منك عضواً فعالاً في الحدث، فيتجلى الحوار لك وتحيكه أنت في لحظة تلقٍ خلابة.

وقد كان ذلك في مشهد الحوار مع الطبيب والسكرتيرة في قهقهات المدينة، وأيضاً نذكر جيداً البطولة والدور الرئيس للكرسي في (أبو أحمد بلال.. قصة فلسطيني وحكاية شعب)، وأما اللجوء فقد ذكره ابوحليوة سريعاً وبقوة في (قهقهات المدينة) وقدّم عملاً مسرحياً كاملاً عنه في مسرحية (المخيم)، فاللجوء تاريخ يلتصق به كما الروح، وكان الانصهار واضحاً متوطداً في جميع أعمال المبدع أحمد أبو حليوة.. اللاجئ الذي يحمل اللجوء بصمة عز وفخر وصمود.

أعمال أبو حليوة المسرحية هي توجيه للشخصيات نحو الأزمنة، وحصرنا في خانة تمثّل كلّ منا على مر العصور، فهي بالنسبة له كما السهل الممتنع يحرك بها الشخوص، كما يبث بالجماد من روحه لتعميق الحدث وانحصار الدهشة أمامنا على شكل عمل إبداعي مكتمل الأطراف من حيث الشخوص والحوار والانتقال من شخصية إلى أخرى بطريقة خلابة واثقة، وفي مشاهد تكتيكية ذات طابع إنساني يرتجل بها أبو حليوة دون بروفات مسبقة فيعيش النص والحالة ويتخلّق أمامك من طور إلى طور دون نص مسرحي مكتوب، معتمداً على قصة ألفها فسكنته شخوصها فأخرجها بعمل مسرحي متكامل، ينم عن فجر جديد للفن القصصي وميلاد نوع إبداعي حافل بالكثير ليضع بصمة مبتكرة، تحثّنا على التجديد والإبداع الذي يحدث أثراً على الطريق فيُهتدى بها.

(أبو أحمد بلال.. قصة فلسطيني وحكاية شعب) (المخيم) (الشيخ والثلج) (قهقهات المدينة) وهج جديد للقصة تنصف المشهد بسيكلوجية مبدع اتخذ الإبداع والتميّز نهج حياة فتميّز. ## لادياس

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز
المهارات