تفاصيل العمل

أوردَ ألبرت أينشتاين في نظرية النسبية - وهو ما وافقَه العلماءُ من بعده - أن الزمنَ يُمثُّلُ بُعداً مادياً رابعاً مثله كمثل الطولِ والعرضِ والإرتفاع ،

وأن الزمان كالمكان يتغيرُ بتغيُّر كُلٍ من الجاذبيةِ والحركة.

وهو ما صافحَ قولَ الدينِ في ذلك أيضاً أن الوقتَ على الأرضِ يختلفُ بتاتاً عن الوقت في أي مكانٍ آخر

"إِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ "

وهو ما جرّد الوقتَ والزمنَ من لباسِ الجُمودِ واللاهوية وعدمِ المساس ، مما فتحَ أبواباً عديدةً للتفكيرِ في الزمنِ من زوايا مرنةٍ جداً غير التي توحيها لنا عقاربُ الساعةِ ذات الإتجاه الإجباري والنمط المنتظم والحركة الثابتة.

ومن إحدى هذه الزاويا أقول:

ما من شعورٍ يعيشُه الإنسانُ إلا ومرهونٌ بحادث ، وما من حادثٍ يطرأُ إلا ومرهونٌ بسبب ، وما من سببٍ إلا ومحكومٌ بحيّز الزمان والمكان .

وإذا كان الزمانُ - كالمكان - يتغيرُ بتغيرِ الجاذبيةِ والحركةِ ( حسابياً ) ،

كذلك فإن الزمنَ الذي يمر على الإنسان

-وهو تحت وطأة شعورٍ لا يحبه -

يتغيرُ تغيراً ( معنوياً ) بتغيرِ سيطرة ذلك الشعور وانجذابِ الإنسانِ من سبب ذلك الشعور..ومكانه بالقرب أو بالبعد عنه.

الزمنُ يتمددُ وينكمشُ من شعورٍ لشعورٍ ومن موقفٍ لموقفٍ.. وعلى حسب استجابة الإنسانِ ورَدِّ فعلِه ،

فقد تكونُ (الليلةُ الواحدةُ ) ثُقباً أسوداً يبتلعُ إنساناً برُمّته ، فتمر عليه كأنها ألفُ ليلةٍ ..بل ويبقى أسيراً لها للأبد .

في حين قد يمر دهرٌ كاملٌ من الآلامِ والمعاناة على إنسانٍ آخرٍ كأنه الوقتُ بين الشهيقِ والزفير.

وهذا التغيّرُ إنما هو تغيرٌ معنويٌ يرقى إلى أن يكون تغيراً مادياً بامتياز ، فإليك أن تتخيلَ الفرقَ بين انسيابِ الوقتِ عند أهل الجنةِ.. وبين اصابته بالشللِ عند أهل النــار.

إذا وقع الإنسان تحت وطأةِ شعورٍ لا يحبه ، فإنه كلما خضعَ لذلك الشعور وبقى بالقرب من سببه .. فكأنه يطعمُ ذلك الشعورَ وجبةً يوميةً يقوى بها عليه

أما الزمنُ فيتشكلُ حينها على هيئةِ مخلوقٍ يعاني من السِّمنة المفرطة فيمكثُ على صدره..

يكتمُ نفَسَه ولا يتحرك.

وكلما كان المرءُ بعيداً عن منبعِ ذلك الشعورِ ، وتحررَ من جاذبيته له .. حينها فقط سيتذكرُ الزمنُ أخيراً أن له قدمين.. ويمضي ،

والعكس بالعكس مع ما يحبُّ الإنسانُ أن يشعرَ به.

وما كانت هذه المُقدمة المُملة للبعض ..إلا ليبذلَ القارئُ طاقةً كبيرةً للوصول إلى مغزى الكلامِ في النهاية ، وليعلمَ أنه إذا كان سَفرُ الإنسانِ عبرَ الزمن" بجسده" لا يتحققُ إلا نظرياً ،

فإن بمقدورِ الإنسان التمردَ على عقاربِ الساعةِ معنوياً .

على المرءِ أن يُعطي قلبَه حقَّه الكاملَ في كل شعورٍ يجتاحُه ويحتاجه ، لكن لا يعني ذلك أن يقومَ بوأْدِ نفسِه وقلبِه في حُفرةٍ من شعورٍ أو تاريخ أو موقف ، فإذا ما وقع فريسةً لشعورٍ أو موقف.. فإنه لايزال بإمكانه أن ينتشلَ نفسه ويُمررَ وقتَه ويُديرَ عجلةَ حياته

بتغيير مكانِه المادي والمعنوي نحو ذلك السبب

حتى تتلاشى جاذبيةُ ذلك الموقف له

وتزول سيطرةُ ذلك الشعور عليه.

الشعور عملية حيوية نتيجة إفراز كتائب هرمونية معينة ،

والهرمونات موادٌ عضويةٌ تُفرَز نتيجة أسباب خارجية

فعلى الإنسان أن يعي ذلك فيضعُ نفسه في بيئةٍ مادية ومعنوية مناسبة لإنجاب شعورٍ يحبه

فإذا ما أحاط به شعورٌ لا يحبه كالحزن أو أدمنَ شيئاً ثقيلاً كالإنتظار ..

ووجدَ أن الوقتَ صار كأنه تَرهَّلَ فلا يستطيع الحَراك ،

كأنه صار شاحنةً ضخمةً لا تتحركُ من على صدرِه

فما عليه إلا أن يُذكّرَ نفسَه بحتمية زوال الأشياء

فإذا كان الإنسانُ نفسُه عبارةً عن "فترة" فكل ما سيمر عليه ليس إلا كذلك..بل وأصغر.

وما عليه إلا أن يقطعَ سلسلةَ الهرمونات المتدفقة عن طريق تغيير المدخلات التي يعتمد عليها المخ

بأن يتحرك مادياً ومعنوياً ليهرب إلى شعور آخر يَصنعُه بنفسه .

ولا يرضى لنفسه أن يعْلَقَ في ثُقْبٍ أسودٍ ينعدمُ فيه الوقتُ وتُعدَمُ فيه الطاقة

فلا يدري متى يخرجُ منه .. أليلةً أم سَنةً.. أسنةً أم عُمْراً كاملاً

لتضيعَ بذلك حياتُه متنقلاً بين الحفر ومقيماً بين الثقوب ..ومحروماً من الهواءِ الطلقِ الذي توفره الإرادةُ .

وأُعيدُ

من رضى أن يعيشَ مفعولاً به ، تنصبُه الحياةُ على صليبِ العجزِ وانعدامِ الحيلة فقط لأنه متوهمٌ ألا إرادةَ له ، فتتلاعبُ به رياحُ الحياةِ وأهواءُ البشرِ

فذلك الذي رضى أن يعيشَ ك"شيءٍ" لا ك"إنسان"

ولن يحملَ أحدٌ عنه خطيئةَ وأْدِ حياته

وسيدفع ثمنَ ذلك من عمرِه المحدودِ جداً ..

ولن يعزيَه في ذلك أحدٌ.

محمد مهدي

١٩ مايو ٢٠٢٤

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز
المهارات