تفاصيل العمل

على بعد أميال فقط تعبر الحدود من دمشق الى بيروت تاركاً ورائك كل شيء ...تحدق عبر زجاج السيارة بالطريق..يخال لك لوهلة أن كل ما على جانبيه يطلب منك الرحيل، ووسط قسوة هذا الطلب، وحده كان صوت قلبك يسألك إلى أين أمضي..؟

تصمت كان شيئاً ما عقد لسانك، وأنت تعاود النظر حولك مجدداً، تقول لنفسك ربما لاشئ يستحق البقاء فحتى الذكريات الجميلة مزقتها القذيفة.

تشق طريق دمشق- بيروت من الجهة اللبنانية، تتنفس الصعداء أنك ابتعدت عن الخطر قليلاً، لكن مذيع نشرة الأخبار في راديو السيارة لا يكف عن تذكيرك بأسباب مغادرتك هروبك: "استشهد 50 شخصاً وأصيب آخرون بانفجار سيارة مفخخة ".. "استشهاد امراة داخل منزلها جراء قذيفة هاون ضربت عن طريق الخطاً مخيم اليرموك بدمشق ".

لم أكن الوحيدة التي هربت من الموت المحتم، أستذكر المشهد عند نقطة الحدود اللبنانية ...هناك أذهلني أعداد اللاجئين في الطابور الخاص بالفلسطينين...طابور طويل أنا آخره، أما أوله فأشعر كما لو أنه يمتد منذ عام النكبة، ومابين أوله في العام 48 وأخره اليوم كنا جميعاً في الانتظار واحد، أشخاص يحملون بقايا منازلهم وأخرين داهمتهم القذيفة، فلم يستطيعوا أن يحملوا إلا أجسادهم ماضين الى اللاشئ .

ببطء يمضي الوقت في طابور الجوازات... أخرجت من حقيبتي ما يذكرني في كل لحظة بأنني لاجئة، دفعت بالوثيقة نحو العسكري، فرماني هذا الأخير بنظرة لطالما لم أفهمها هل يوجد في هذه الوثيقة ما يستدعي الخوف مني أم تراه يخاف أن يطيب لي المكان فأبقى...كم وددت أن أخبره لا تخف، فأنا لست باقية، لي وطن هناك وإليه أعود.

كنت أود أن أخبره أننا شعب كتب علينا أن ننتزع الحياة من صدر الموت، ولا ذنب لنا سوى أننا لم نعرف من الوطن سوى حكايات الأجداد ورواياتهم..كنت سأخبره أننا مثله، لكن ثمة من يرسمنا على نحو مثير للشفقة، وآخرون يرسموننا على نحو مثير للرعب..كنت سأخبره الكثير إلا أن مشهد لعائلة مكونة من أم وخمسة أطفال جعلني أصرف النظر عن الكلام.

كانت الأم تحمل وثيقة كالتي أحملها ، جلست متعبة تنوء بحملها بعيداً، بعد أن علا صوتها مع الجندي، الذي يبدو أنه طلب منها الابتعاد..وسرعان ما انهمرت في الدموع...

" شو في يا خالتي "..؟

ما بعرف ليش يا خالتي...صار وجودنا يقلق الآخرين..أو يثقل على قلوبهم.

تحدثني المرأة كيف أنها وأولادها لم تختر أي من أقدارها، بدءاً من خروجها من المخيم بعد أن قتل زوجها وهو يحاول تهريبهم خارج المخيم في ظل اشتباكات ساخنة بين مؤيدين للنظام ومعارضيين له..وصولاً إلى الحدود ها هنا حيث يرمقها عسكري الجوازت كمجرمة.

تستطرد المرأة وهي تروي لي ما يعانيه الفلسطيني من قهر وظلم وغربة وكيف هو يعيش في كل لحظة بموقع المتهم...لم تكن تحكي ما لا أعرفه، ولكنها كانت ترويه بمرارة جديدة عليّ..ربما هي نتيجة فارق بالوجع وربما فارق بالعمر...

وددت لوهلة أن أصبرها بكلماتي، وإن أقول لها ان هناك وطناً يننظرنا ليحضتن مرارتنا...وإننا سنعود إليه قريباً ...قريباً

جداً ... لكن صراخ الطفلة الصغيرة بين يديها، وربما جوعها، جعلها ترمقني بابتسامة قبل أن تغيب. لتبحث عن مكان

لإرضاع طفلتها.

أقل من عام مر على هذا اللقاء... لكنه ظل وكل تفاصيل خروجي حية في ذاكرتي كما لو انها حدثت بالأمس...اليوم

تذكرت المرأة وأنا أقرأ عن مبادرة تحييد المخيمات الفلسطينية عن الصراع السوري ولبضع لحظات أستعير مشهداً من

مخيم اليرموك وأحاول رسم تفاصيله كما يحلو لي أجدني واقفة على ذلك الرصيف أمام مدرسة الفالوجة في شارع

المدارس ... الرصيف الذي حمل معه ذكريات الطفولة الجميلة قبل أن يقتلوها ... وعلى الرصيف المقابل رأيتها ...تلك

المراة على الحدود اللبنانية كأني نفضت كل الغبار عن ذاكرتي .. . رأيت حتى تفاصيل خطوط وجهها فكرت أن اسئلها

الكثير ؟ لكن ما لفت نظري مفتاح بيتها في فلسطين كنات تضمه بقوة بين راحيتها وتشده بحنية الى صدرها كما تشد الأم

طفلها الرضيع خوفاً عليه من كل شيء لكن صوت المذيع من داخل التلفاز جعل من حلمي أشلاءاً تناثرت في انحاء

جسدي من الداخل ... ودون أي رحمة أذاع ما يلي " توفيت أم وخمسة أطفال يحاولون العودة الى المخيم جراء قذيفة

هاون أصابت دوار البطيخة "

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز
المهارات