تفاصيل العمل

القصر الملعون

الفصل الأول: عند الغسق

على أطراف البلدة المهجورة، ارتسم في ضوء الغسق ُشبح ٍ قصر ٍضخم متهالكُ،تعانقه أشعة الشمس المنكسرة عبر

أغصان متشابكة. كانت قواه العالية والأعمدة الحجرية المتصدعة تروي ً صمتا ً هادئا ً مهيبا، كما لو أنها ما زالت

تحتفظ بأسرار الماضي العتيق. لم يكن هذا القصر ً بعيدا عن أحاديث القرويين الذين يتهامسون حول ٍ أصوات غريبة

ٍ وشبح أُ شيع أن عينيه تبدوان تحت ضوء القمر. وكانت اللحظة المثالية لاقتحام الأماكن الملعونة

تصدر ً ليال من أروقته،

قد حانت؛ فقد وقف أربعة شبان على عتبة الممشى الحجري المؤدي إلى الباب الخشبي المهترئ، يتبادل كل منهم

نظرات حذرة ومختلطة من ٍّ التحد والخوف. بدأ الضوء الأخير للشمس يختبئ خلف الأسوار، ً مانحا المكان ً هيبة أضفت

ً على الأركان رونقا ً غامضا ً ورهبة خفية.

رافق علي الشاب طويل القامة وعيناه الالمعتان رفاقه خطوة بخطوة نحو مدخل القصر. مد يده بحذر ليالمس مقبض

الباب الحديدي المندمج في الإطار الخشبي وجرب فتحه بخفة، فلم يجد مقاومة فاندفع الباب بصوت صرير خافت

يخبئ وراءه ً فراغا أسود. كان علي يحمل ً مصباحا ً قديما يتلقف ضوؤه جزيئات الغبار المتراقصة في الهواء، ً حريصا

على كشف أدق التفاصيل حولهم. إلى جانبه وقفت سلمى، مهندسة شابة دقيقة المالحظة، تنقل ضوء المصباح

ببصرها الثاقب على الأعمدة والشقوق العميقة في الجدران. وكان يوسف، المصور الفضولي، يقف بثبات ً حامال

كاميرته ً مستعدا لالتقاط أي خيط مرئي قد يساعدهم على كشف أسرار المكان. بينما كانت ليلى، الفتاة الحساسة،

ترفع رداءها الخفيف لترفعها خفة خطواتها، وقد تكتسي مالمحها سمات توجس خفيف؛ فهي تحاول إخفاء

يدب في قلبها. توقف الجميع على عتبة المدخل الخشبي، وقد علت وجوههم رعدة خفيفة من

ّ

الخوف الذي بدأ

ُ حاول أن يحتضن جرأتهم الهاشمة.

ٌ رهبة المجهول، وكان همس مقتضب بينهم ي

دخل الأربعة صالة الاستقبال الواسعة ٍ بصمت خافت، فأبتلعهم ٌ سكون عجيب لم يخترقه سوى همهمة خافتة لصنبور

صدئ يقطر ماءً في الخلفية. علت أعينهم تماثيل نصف مكسورة تنتشر في أركان الغرفة، وأعمدة حجرية كان

لعمرها الذي لا حصر له على وشك الانهيار. حاول المصباح في يد علي أن يخترق ظالل هذه الغرفة الضخمة

ّ ن أحد الجدران. تفاجأوا برائحة عفونة

المتداعية، فكان ضوءه يتأللأ على أريكة قديمة متصدعة وتابلوة باهتة تزي

خانقة ّ تعم المكان، وكأن الغبار والأوراق القديمة ُ المرمية تحت الأثاث انتشرت في الهواء وكأنها أرواح حبيسة. كان

ّدوت تصفيقة عنكبوتات متناثرة

الأثاث المهشم ملقى على نحو مزعج، والكتب الصفراء متناثرة على ٍرف محطم، بينما

بين الأبواب. تمسك يوسف الكاميرا بيده وهو يهمس ببرودة: »هنا يبدو أننا وحدنا بالكامل...«، لكن سطره انتهى

ً قبل الأوان، إذ ارتجف الهواء من حولهم فجأة وكأن ثمة أصواتا خفية بدأت تلوح بين الجدران.

َصدح صريرٌ مفاجئ من خلفهم: الباب الحديدي أُ غلق من تلقاء نفسه بقوة غامضة خلف أكتافهم. جمد الجميع

ً فجأة،

في أماكنهم، وارتعدت القلوب من رهبة تلك اللقطة غير المتوقعة. حاول علي أن يعاود فتح الباب ً ثانية، لكنه

ُ ّفسر. عاد صمت القصر يكتسيهم بغشاوة حالكة، لم تفكها إلا أصوات خافتة لأقدام يتردد صداها

اصطدم بثقل لا ي

على الأرضية الخشنة. ارتدت أنفاسهم إلى سمعهم ٍ بصعوبة كأن الخوف يلفظ زفيره في هذه اللحظة. التفتت ليلى

شاحبة الوجه نحو مصدر الصوت الداخلي، فلم ترَ سوى ظاللها الطويلة على الحائط المتهالك. بدا وكأن ًشيئا ما

يراقبهم ببطء، دون أن يظهر بعيونهم البشرية. ّفكر الجميع ٍ للحظة أن يغادروا المكان، َّ لكن شجاعة علي الصامدة

حالت بينهم؛ استدار بنظرات واثقة يحاول تكوين ْفهٍم عميق، قبل أن يعلو وجههم غيظ وجفاء. هتفت سلمى بنبرة

ّ !«، فتابعوا دخولهم ً صمتا ومترقبين ما ستكشفه لهم زوايا هذا

مرتجفة: »ِلنكمل، هذه ُ الدقيقة الأولى لن تضر

القصر المهجور.

الفصل الثاني: صدى الخطوات

وقف الأربعة وهم يتنفسون بصعوبة أمام الباب الحديدي، فقد أُ غلق بقوة خلفهم دون أن يجدوا ًسببا. حاول علي أن

ّ ة أخرى لكنه اصطدم ٍ بثقل خانق كأنه مصنوع من الرصاص. احمرت وجوههم في تلك اللحظة من رعب ماحدث، فلم يجدوا ً تفسيرا يبعث عليهم الطمأنينة. أضاء علي مصباحه الخافت ً مجددا ً بحثا عن خيط يقوده إلى معنى

ما، فلم يرَ سوى ٍّظل ضبابي خلفهم في الممر الخافت. ثم ّهز ُ الصمت ً برهة ارتجاف خفيف؛ إذ بدأ يسمع وقع أقدام

خفيفة تتكسر في صمت القاعة. انتبه الجميع نحو الأركان المظلمة، وأدركوا أن ًشيئا ما يراقبهم بصمت من بين

الظالل دون أن يظهر. تمنت ليلى لو أن ً أحدا بداخل القصر يظهر ليطمئنهم على سالمتهم، ّ لكن جدران المكان خلت

ٍ من أي دلالة على حياة بشرية.

تقدم الأصدقاء أعمق داخل القصر خطوة تلو الأخرى، يبحثون عن أي تفسير لما يجري معهم. لاحظت سلمى ً صفحة

ً ممزقة ملقاة تحت ٍ عمود مهترئ بالقرب من إحدى النافذات المكسورة، فالتقطتها بترقب. كانت الورقة ممزقة من

ُ حتمل أنه يوميات أحدهم، وقد تلطخت مياه الأمطار أطرافها. بسط علي مصباحه على الصفحة إلى أن

دفتر قديم ي

نوا الكلمات المكتوبة عليها ٍ بخط مائل باهت:

» قبض الجميع على ُأ تبي غلق الباب هنا، ولا ٌ سبيل للعودة...« ّ

ُ ٍكن آخر في الصالة، فعرَ ف اثنان منهم

أنفاسهم وهم يحدقون في تلك العبارة الغامضة. صافح يوسف الضوء صوب ر

ضوء مصباحه ً خافتا على غطاء ٍ كتاب جلدي صغير. أمسك علي الكتاب بتؤدة وهو يراقب عنهما، ثم فتحه بحذر

ليكشف عن صفحات صفراء مليئة بسطورٍ متصلة. سمع الجميع ً عاددا نفس الحروف المتباعدة ّعمانه أحدهم، حتى

»اĸفل الباب... لا +دلوا بالذهول في نفوسهم. لم ِيعد خفقان قلوبهم ّ تلطخت كلمات عد Ɣن*صė الليل«

ٍ يستتب، فبدت كل خطوة جديدة تشبه صدى قادم من قبور بعيدة.

لم تكد الكلمات تخفت في الأفواه حتى اهتز الهواء حولهم ٍ بعنة غير مرئية. لاحظ علي حركة مفاجئة في زاوية

مظلمة تنبعث منها خفوت ٍ منضد عتيق على الأرض. استدار المصباح إلى غبارٍ ّ يردد َنَف ًسا ً قائال: »اشحني معي...«،

لكنه لم يكن أكثر من ٍ وهم ُتالعبه دهاليز المكان. فشلت أفكارهم المنطقية في تفسير الواقعة، واستدار الجميع

تعب من إضاءة الأركان يخمد فجأة في ٍ لمحة واحدة. خيم الظالم

بقلق نحو أعمدة القاعة، فإذا بمصباح علي الذي ّ

أحست ٍ بارتجاف خفيف تحت

الدامس بسرعة على المكان، ُّ وظنوا أن الريح المعتمة تختبئ بينهم. فزعت ليلى حين ّ

قدميها، وقالت ٍ بصوت مسموع: »ربما هي َخرجة طيور من الحفرة..!«. لكن لم يكد صوتها ينطق ٍ بحرف، حتى عال صدر

الصمت تحية حادة من ضوضاء أقدام ثقيلة في الصالة المقابلة. جمدوا ٍ لوهلة أخرى وقد تراجعت نفحاتهم في ٍجو

موحش، والأرض ّ تهتز تحت أقدامهم من وقع ثقيل. أمسكوا بأي ٍ شيء أمامهم متماسكين بالآخرين، وقد اضطرب

ًا في وجه المجهول، ً هادئا الثبات رغم

ّ

عقلهم عن معرفة الحقيقة. في تلك اللحظة قرر علي بأن يبقي الضوء قوي

كل شيء.

الفصل الثال:5 صدا الماõي

نزل الأصدقاء الدرج الحجري المظلم بحذرٍ بالغ نحو مستوى أعمق في القصر، فأصبحوا في ٍ فراغ ٍ بارد لم تعرفه أشعة

الشمس من قبل. كان الهواء تحت القصر ً نقيضا لبرودة المساء، ينبعث منه عبق ٍطين رطب وعتاب للدهر ضاع.

سقطت على رؤوسهم خيوط متكسرة من ضوء المصباح، فكشفت أمامهم قناة قديمة موشحة بالعتمة والصدى.

امتد الممر الضيق نحو حجرة صغيرة مظلمة، فكانت نهايته ً عبارة عن خزانة خشبية طويلة مرصوصة بجانب كنيسة

صغيرة من الأعمدة المتآكلة. انكمش صدورهم ً قليال حين ضاق المكان حولهم، وخيل لهم َّأن كل َنَفس يتالشى في

ُ سم هناك ٌ نقش قديم سميك

عمق الأرض. لكنه ٌ همس ما ُكتب على جدران الخزانة البالطية قد ّشد انتباه علي؛ فقد ر

» ُأ الأ°واx نظرت سلمى إليه بعينين لامعتين: »ما معنى هذه العبارة؟«، لكن علي كان قد يقول: لاُأ+داع ʭ المƩل.«

ً بدأ بكشف أقفال الخزانة مستخدما ّ مفكه، بينما اختلطت في الخلفية جدرانه المضيئة بأنفاس الأصدقاء المذعورة.

وجدوا داخل الخزانة ً كنوزا من الوثائق والصور القديمة، فنفض علي الغبار عن كومة من الأوراق المربوطة ٍ بسلك

صدئ، ورفعت سلمى نظارتها لتقرأ ما كتبه صاحبها الدفتر البالي. تراكمت صفحات اليوميات التي بين أيديهم

بالسرعة نفسها، ُ وركون قلوبهم إليها ٍ بأمل يتناقص. رغم صعوبة الإضاءة والرؤية، التقطت أعينهم تفاصيل مروعة:

ٌ من

ٌ رسومات داكنة لعائلة قديمة، يظهر فيها رجل وامرأة ٌ ورقيق صغير في حضنهما، وقد غطي مالمحهم ضرر

نسيان الزمن. انقبض صدر علي عندما اكتشف في إحدى الصفحات اسم تلك الطفلة الصغيرة المحبوبة: »²هرة«، ثم

َّسجلت الكلمات في صفحات اليوميات مشاعر أُ ميهة:

َّ تتالت التواريخ كأنها عدتهم نحو لحظة مصيرية.

ّ يحطم

» ُ ذرفت ً دمعة بال صوت حين رأيت وجوه أبنائي تتطاير في ٍ ليل دون رحمة. زهرة صغيرة لم ِ تبك بعمري، قلبها

كل مخاوفه، والآن يحل رأسها لشيء أكبر من الأرض«.

2ّ ت َ ساعة المساء خشية

ارتعد الجميع من هول المعنى، وقد غاب الورق عن أعينهم ٍ للحظة بأكملها. ّ توقع علي أن يثب

صحو مشهد، ولكنه لم يفعل، ليسعفه ُ خجل المفاجأة. قال يوسف ٍ بصوت محزون: »القصر كان دمية شريرة

لعائلتهم«، ولم يجد ً إكمالا لما ُ لاحقه الخوف ِمن ٍ ألم. تسلل الصمت ً ثانية بين سطور الكلمات المبللة على الطاولة،

حتى ُشعروا َّأن كل الأثاث حولهم ُ يبتلع أنفاسهم ً خوفا ً أيضا. كان النور يقدح في آخر طيات الصفحة الأخيرة حين

تقرروا المغادرة، َّ ولكنهم أدركوا ًشيئا في أعماقهم: أن السر يكمن هنا في هويات من رحلوا، وأن فهم سبب وجود

هؤلاء الأشباح يقتضي مواجهة الخطر بالكامل.

بينما كانوا يهمون بالخروج من الغرفة، انقطع سكونها ً فجأة عند سماع صوت ٍ تدافع من خلف جدارٍ ٍ متداع. دفعتهم

ًا ناحية الصوت، ليتراءى أمامهم ٌ باب خشبي ٌ مهترئ لم ينتبهوا إليه من قبل. دفع علي الباب ببطء،

ّ

الخطى لا إرادي

فانكشف ممرٌ ٌضيق يقود إلى الأسفل؛ مدخله ُسَّد ٍ برماد شبه ٍ مستو مع السلم. ّرنت قلوبهم وهي تصعد للظلمة

أكثر حين دخلوا الممر متعاقبين. أدخلتهم تلك الدرجات الخانقة في ٍ بئر ٍ مظلم آخر، تأبى خيوط ٍ فجر ِ منطق ٍّي أن تفجر

متاهاته. وافق الجميع بال كلمة على مواصلة النزول، فقد خشوا ألا يجدوا ً مخرجا بالرجوع عن تلك الخطوة. عند

ا: كان سقفه ً مقببا ً مرتفعا مغطى ٍ بخشب ُوضعت عليه

وصولهم إلى قاع الدرج فتح الباب على ما يشبه ًقبوا خفيً

طبقات دهان متآكلة، وأرضه ٌ رطبة بالحناء القديم. طافت وجوههم حول الغرفة المظلمة وهي تضيق ً خفقا، ولكنهم

ٌ قديمة ودفاتر

وجدوا في نهاية الحجرة ً مشهدا ِّ يغير مجرى عواطفهم: ٌ طاولة خشبية مهترئة في الوسط عليها صور

صفراء متناثرة. وقفوا مذهولين أمام ترتيب المكان كأنه متحف أسرارٍ منسية. أحاط الضوء وصور قديمة ِّ تبين ً وجوها

لعائلة مضت زمنها في تلك الأروقة، ترتسم عليها مالمح الألم والفقدان. لاحظ علي أن إحدى الصور مكتوب تحتها:

َّ فدب في خواطرهم ٌ إحساس »²هرة ćƔ والدƩǚا، ĸبل ن Üǚ*عل الليل« ٌ خافت بالاكتشاف: لقد وصلوا إلى

،

صميم سيرة القصر.

ّ أمسك علي إحدى الصور برعونة، وإذا خلفها ورقة خط ٍ ت بأسلوب هزيل:

» ٌ نو° . ęي الƑȲĄ: ʭ ²هرة لƒ ُ+أن ُأ ل الرا}Ƽ عد. ĸلبƩا Ɣا ²ال ǚن³Ė ęي الأعماĵ»

ّهز هذا الإعالن َ الوجوه الصغيرة ببرودة العاصفة. ارتجفت ليلى ٍ بصوت خافت وهي تقرأ ما بقي على هامش الوثيقة:

ُ ّفك

»محبوسة هنا«. قبض الجميع على بعضهم، وقد أدركوا الآن أن روح زهرة الضائعة لم ترحل بعد، وأن اللغز لن ي

ّإلا بعد مواجهتهم للخطر الأكبر. قال علي ّ بجدية: »نحن هنا لنعرف الحقيقة، فالمواجهات المقبلة قد تكشف السر

ً كامال«. استدار الأربعة نحو بعضهم ٍ بعزم متين وقلب يزخر بالعزم؛ كانوا الآن أكثر ً استعدادا للدخول إلى قلب الظالم

المظلم الذي يحيط بالقصر الملعون.

الفصل الراć: المواƼƩc

ارتفعت درجة الرهبة بداخلهم حين دخلوا ً غرفة ُق ِطَع الدرج إليها، صارت ً رحبة باهتة تحت ضوء المصابيح المائلة.

تجمعت ُ قضبان حديدية مشوهة في أحد الجوانب، فيما كان وسط الغرفة ً محاطا بمجاميع من الخرسانة المتشظية.

ّ تقدم علي نحو ما ّظن أنه ٌ مدخل إلى مخزن قديم، لكن رحابة المكان ّأدت إلى ضياع مصباحه في عتمة اللحظة. أخذ

يوسف يراقب أركان الغرفة بعيني كاميرته التي لمح فيها ً خيطا يلمع ً خافتا في الزاوية البعيدة. ثم ّدوى فجأة ٌصوت

ا؛ فقد ظهرت ٌ امرأة شاحبة بين الظالل

ً

ا متهاوي

ً

َّ فوجه الجميع أنظارهم ليجدوا خلفهم ً كيانا شاحب

خشن في الهواء،

ّ السنوات،

ا. بدت مالمحها ٍ باردة كما لو أنها قد تبخرت على مر

روحانيً

ا أبيض ً فضفاضا يشبه رداءً

ً

الراقصة، ترتدي ثوب

وعيناها الخاويتان تلتهبان ٍ بنيران عاتية. تقارع أنفاسهم حين قالت بنبرة متجهمة: »أتدرون من أسمي؟ أنا زهرة، هنا،

أُناديكم«. تجمدت أقدامهم، وصار الصمت يخترق المكان؛ ولم يكدوا ّ يتنفسون حتى بدأت الغرفة تهتز ً خفيفا، تالشى

ً مصباح علي في طرفة عين تاركا إياهم في ظالم دامس.

تنقلت ٌ حركة مفاجئة في الهواء كما لو أن الظلمة ترقص حولهم، فلجأ علي إلى الصراخ ً طاردا َ الظل: »ابتعدي ّعنا!«.

ارتجف صوت ليلى في آخر همساتها: »حاجتنا لك... ولكن لا نريدك هنا«. لم ينتظروا أكثر، فصرنا ً زمجرة في حناجرهم

مذعورة حين اندفعت إلى ّ الجو ٌ ضحكة ٌ باردة بال ألسن. ما كان من علي إلا أن وضع قدميه في صدر الغرفة، ً مستعدا

للدفاع عن رفاقه. ً وفجأة ألمحت له ٌ صورة ٌ معلقة على الحائط: كانت ً غالفا ً كئيبا ٍ لكتاب قديم، وبين أضالعه كتب

. انفتح الباب الخشبي المؤدي للممر البعيد على ٍ غمز بالذهب كلمة »النbاة« خافت، فهرع الجميع إليه كأنه الخالص

الوحيد. تجاوزوه ً واحدا تلو الآخر، وأدركوا أن زهرة تحوم خلفهم ٍ بصبر ٍ فائت، ُّ تبث ليلها في خواطرهم ٍ بنظرات غامضة.

اختتم الأصدقاء الفصل الرابع ٍ بانطباع غريب: لو استطاع أحدهم ترجمة رسالة تلك الطفلة الشبحية، لأدرك أن القصر

المحفور في الماضي لن يمحو ألعابه الظالمية إلا حين تنكشف كلماته الأخيرة.

3الفصل الخاÏƔ: انÜĿاĖ الأسرا°

استجمع الأصدقاء شتات جرأتهم في الصباح التالي، فتسللوا ً مجددا نحو قلب القصر باحثين عن الخالص. كان هدفهم

الآن ً واضحا: تحرير روح زهرة البريئة التي ُحبست ً أبدا في ذلك المكان. تبين أنهم اكتشفوا من مقتطفات اليوميات

الأسر

غامضة لاستدعاء الأرواح، فتبعثرت َ

والصور النقاب عن ٍ قصة وحشية: كان والد زهرة ً قديسا شاع بخداعه قوىً

والعائالت في ممارساتها. ٍ وفي إحدى الورقات الأخيرة المكتوبة بلهفة دامية، قرأوا ما يلي:

»لƒ +عد ²هرة ʭ سيرة الbسد، ل ęي ʹسa الȲĄل. و}دƧ النو° اللƩي، ʧ صȲة ʧ داƼǝę و ٌ ĸل ʵ نقي، ĸد

».اƩراغę ƖƔ ها° ʲرzǚ

عرف علي أن القراءة بمرافقة نور مقدس كانت خطوتهم التالية. تسلل الأصدقاء إلى غرفة المعيشة الكبرى حيث ُعثر

على ٍ مرآة مكسورة بين أنقاض الموقد القديم. في تلك اللحظة، خفق قلب سلمى حين سمعت صدى صوت زهرة

ُ عيد شروق الشمس«. أخرج علي ً مطرقة صغيرة وجدها ً سابقا على ٍّرف

يأتي من خلفها يهمس: »المطر... لا... ب

ّ متصدع. كان علي يعتقد بأنها مجرد ٍ أداة تافهة، لكنها بدت الآن المخلص الوحيد. وقف الجميع في حجرة المعيشة

تحت نور خافت على حواف المرآة ّ المشتتة. رفع علي المطرقة وصرخ ٍ بنبرة عالية: »اذهبي في سالم، زهرة!«، ثم

كسر المرآة ببطء أمام أعينهم. انطلق صوت ٍ تصدع مرتفع، وتطاير الزجاج المتناثر في الهواء كما لو أنه اندلع ضوء

ساطع بداخل كل شظية. ٌ ارتفعت سحابة ٍ من الغبار النقي حولهم، ثم خمدت في لحظة صمت مطلق.

تاهت ٌ خفوت من الأصدقاء، فعلموا أن الخطوة نجحت؛ فقد اختفت العباءة البيضاء ٍ لعواء زهرة ُفّكت قيودها. َجثت

ليلى على الأرض تدعو ٍ بصمت بعيون ملؤها السالم، وشعروا ً جميعا بأن ًشيئا ً لطيفا قد ارتاح في المكان. ارتسمت

ابتسامات خفيفة على وجوههم وهم يخرجون ً أخيرا من ردهة القصر المظلمة. كانت يد السماء تراقبهم، فرأوا زهرة

ّلهم شروق الشمس. حملهم قلبيهم ُ مزيج ارتياح

ّ تلوح لهم للمغادرة ٍ برفق وتقب

الصغيرة تقف على عتبة المدخل،

وخوف، وأدركوا أنهم لن يعودوا قط كما دخلوا، لكنهم خرجوا أكثر ً حكمة ً وشجاعة. انطلق الأصدقاء من القصر

الملعون وهم يتعاهدون ألا تنسى النفوس ما رأته، فهي كانت نهاية حكاية تمأل النفوس ً سكرا ً وغموضا، وبداية

ٍ عزومة على الحذر في كل شبر من ظالم هذا العالم.

4

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز
المهارات