تتنوع الأنسجة الثقافية في المجتمعات وتتعدد، ولا يكاد مجتمع من المجتمعات يخلو من القصص والاساطير المرعبة، فهي تُستمد من مخاوف المجتمع ونقاط الضعف التي يعاني منها أفراده، وتروى هذه القصص بأسلوب يتعدى حدود الخيال، فكم من ليالِ قضيناها ونحن أطفال يُخيل إلينا فيها رؤية أو سماع أشياء مريبة.
ترتبط الثقافة العربية بشكل كبير بالقصص والروايات التي تروى من قبل الأجداد والتي تعتمد بشكل كبير على تخيل اشباح او شخصيات شريرة (كالغول أو الضبعة)، أو ربما الجن (الجن العاشق والمؤذي والطيب و ....الخ )، والشياطين.
ويمكنني استحضار إحدى القصص التي كانت ترويها جدتي رحمها الله، نقلاً عن والدتها:
أنه في ليلة مطيرة جداً والجو عاصف بشكل رهيب حتى أنه من فرط هبوب الهواء يظنون أن المنزل سوف يُقتلع من مكانه، وكالعادة قُطع التيار الكهربائي، فكانت أشبه بليلة سينمائية مرعبة كما تصور في استوديوهات هوليود، سمعت والدتها صوت أشخاص يمرون بالجوار ويطلقون الزغاريد والأهازيج، فأثار ذلك فضولها فلم يكن أحد من جيرانها قد دعاها أو ذكر أن هناك عُرسٌ أو حفلة، والجو العاصف في الخارج لم يكن ليساعد الناس على الفرح أصلاً، فتوجهت إلى النافذة لرؤية ما يجري في الخارج.
فإذا بأشخاص يهيئ لك من اشكالهم أنهم كانوا في عرس ويزفون عريسين، ففرحت لفرحهم وأطلقت الزغاريد مجاراةَ لهم، ولكن بعد أن مضى الموكب تنبهت إلى شكل اقدام المارة كانت على هيئة اقدام ماعز.
خافت مما حصل لها وخيل أنه منام، وفي اليوم التالي سألت جيرانها عن العرس الذي مر، فجميع جاراتها نفوا ما حدثتهم عنه، بل وأبدوا استغرابهم من إطلاقها الزغاريد في الليلة الماضية.
كان لتلك القصة وقعٌ كبير على أنفسنا ونحن صغار وخصيصاً أنها رويت لنا ايضاً في أجواء تشبه التي حصلت بها، ولأن من رواها هو شخص مصدر ثقة لنا فكان انعدام صحتها غير مقبول، فبتنا ليالٍ نخاف التنقل بين غرف البيت وكم من ليالٍ قبل النوم بتنا نذرف الدموع من الخوف إلى أن تجيء أمي وتطمئننا.
وبعد أن كبرنا وأدركنا أنها محض قصص وأساطير كانت تستعمل لترهيبنا في صغرنا، اختلف الامر بعض الشيء فتلاشت مخاوفنا من هذه الأمور، ولكن اتضح أن هذه القصة كانت موروثة من الجدات ولا أحد يعلم فيما إن كانت صحيحة أم لا؛ وبالمنطق غير قابلة للتصديق حتماً؛ فأمي كانت ضحية هذه القصة ايضاً التي روتها لها جدتها.
وعلى الرغم من الليلة المخيفة التي قضيتها في طفولتي إلا أنني عندما نضجت بِتُ أقرأ الكتب والروايات المرعبة، ومشاهدة بعض الأفلام والمسلسلات التي تتطرق لهذه الأمور، ولكن حقيقةً لا أجد متعة في ذلك، فطيلة فترة مزاولتي لذلك أبقى متوترة وفي حالة قلق، ولكن لا بأس ببعض الإثارة بين الحين والآخر، وربما مواجهة بعض مخاوف النفس.
وعن تفاعل مجتمعي مع تلك القصص، فهناك العديد منها ولا حصر لها، بل وتورث كإرث ثقافي هام، ومنهم من يجد بها نوع من التسلية كرواتها الذين يجدون المتعة في خلق الإثارة، ورؤية مشاهد الخوف والذعر على مستمعيها، ومنهم من يتفاعل معها بجدية ويصدقونها، والبعض الآخر لا تستهويه.
أما بالنسبة لما يخيفني، فالقصص التي سمعناها في طفولتنا، على اختلاف أنواع شخصياتها وممارساتهم لم تعد ذات تأثير مقارنةً بالأفعال البشرية التي نمارسها بحق بعضنا، فرهبة التعبير عن حقنا في العيش ونيل حريتنا كانت إحدى أكبر مخاوفنا من ان ينتهي بنا الحال في أحد أقبية السجون الوحشية "كالمسلخ البشري صيدنايا"، وبعد كل ما مررنا به من مصاعب وأحداث لم يعد هناك شيء يخيفنا سوى الا نموت على الحق.
ختاماً، إن الرعب الخيالي او الوهم من الممكن ان يتسبب بهلاك صاحبه أكثر مما لو مُرست عليه الأفعال التي ذُكرت في القصص، وعلى الرغم من أن له فوائد في بعض الأحيان كتعزيز العصف الذهني وحرق السعرات الحرارية، إلا أن آثاره السلبية قد تكون أكبر بكثير.