تشتق الهوية من الهو، ويصعب إعطاؤها تأويلا محدداً، فهي قيمة كامنة في الإنسان، مشتركة بين الأفراد داخل المجتمع الواحد غير أنها لا تميز جميع المجتمعات وإن كانت اللغة موحدة بين أفرادها، لاسيما وإن كانت ثنائية المذاهب حاضرة، ويمكننا عند المخاطر والصعاب معرفة إلى أي حد يتناغم الأفراد داخل هذه الأخيرة، فعند أي خطر يهدد الجماعة تنبثق كشرارة لحماية الكل للكل، وعند حديثنا عن الهوية لن نجد أنموذجا يفوق بهاء الانموذج المغربي، فالهوية المغربية بمثابة الجسد الواحد الذي يدق ناقوس الخطر إذا ما تعرض جزء منه للأذى، مع أنه لا يتوحد في لغة واحدة(أمازيغية/عربية/عبرية) تجمعه دارجة موحدة تختلف من منطقة إلى أخرى، حروفها عربية بقوام وتركيبة أمازيغية، إنها السد الأمني المنيع. ولم يذكر عبد الله العروي هذا التوصيف جزافا و ولم يكرره مراراً في كتابه مجمل تاريخ المغرب إعتباطيا ، وهو يصف كيف حافظ المغاربة قديماً على حريتهم أمام أي وافد أجنبي مع إمكانية التثاقف الحضاري دون وصاية شاملة أو دائمة.
بفعل موقع المغرب الجيوستراتيجي، فقد كان على الدوام محطة للعديد من الحضارات التي تثاقفت مع ما هو محلي على مر العصور، وبالتالي تم الحفاظ على المميزات المحلية لتتماهى مع الطقوس و الثقافة الفينيقية واليهودية والبونية و الرومانية، و حتى ارتباطه بالعولمة لم يكن بالشيء الجديد، لاسيما وأن
العولمة تمتد جذورها الأولى إلى العهد الروماني، فقد عملت روما على تنميط ورومنة كل الشعوب التي اكتسحتها بما فيها أجزاء على قلتها من التراب المغربي أو الموري كما كان يصطلح عليه في القديم، على إعتبار أن كل جماعة إنسانية لا تتكلم اللاتينية هي متبربرة و خارجة عن نطاق الحضارة، هذا النطاق الضيق ورثه الوندال ثم البيزنطيون، وجاء بعدها الإسلام وتم الصدام الأول مع الخلافة المشرقية التي إنتهت بتأسيس إمارات مستقلة موحدة مسلمة، ثم تمت مبايعة المولى إدريس كإمام على جزء من الشمال الشرقي، وهو حفيد نبينا الكريم، وبعدها جاءت التغريبة العربية على العهد الموحدي وهي استقدام القبائل العربية على رأسها بنو هلال، ثم الغزو الايبيري، الذي تلاه الحضور الموريسكي بعد سقوط الأندلس، بعدها الحماية خلال الفترة المعاصرة بشقيها، سواء الغير مباشرة عند توقيع المعاهدة التجارية مع إنجلترا او المباشرة المفروضة من فرنسا، والذي عقبه حال من الاستنفار و الاستنكار وإن إختلفت حدته من منطقة لأخرى، فإن توحد في رفضه الإستعمار تحت أي مسمى، كل هذا المسار الذي امتد لقرون طويلة جعل الإنسان المغربي حاملا لأكثر من هوية في هوية واحدة مشتركة، منها ما هو مرتبط بالموروث الوثني و المتجلي في الإيمان بالاضرحة و تقديس الأرواح و المغارات إلى يومنا هذا و منها ما هو يهودي كالموسيقى و بعض الطقوس الإحتفالية لاسيما في عاشوراء... و منها الرومي و البلدي للتمييز بين اللباس، فالعصري منسوب لروما و التقليدي منسوب للبلد، و منها ما هو مستمد من تعاليم الإسلام و منها ما هو مستمد من عهد الحماية و ذلك من خلال إدراج فئة كبيرة جدا من المغاربة إن لم نقل الأغلبية لكلمات فرنسية إلى جانب الكلام العامي، ناهيك عن الكلمات التي اصلها فرنسي أو إسباني والتي تم العمل على تدجينها لتصير ضمن القاموس المغربي، لكن ماذا أضافت العولمة بمفهومها الحديث للمغرب و إلى أي حد تمكنت من تنميط المجتمع المغربي أم أن المغرب على الدوام يأخد من كل الاتجاهات ولا يتخلى عن سده الأمني المنيع ؟
كتب تاريخ المغرب القديم على الدوام بأفكار استعمارية تبيح الوجود الأجنبي على هذه الأرض وذلك اعتبارا أن فرنسا هي وريثة الإمبراطورية الرومانية، ومن هذه الأفكار أن المغاربة ليسوا أصائل في بلادهم، وكتب المشارقة لاحقا لجعل المغرب هامشا وغير أصيل فكريا وحضاريا وأن العبودية والتبعية السياسية سمة هذه الرقعة الجغرافية، ولعل ما يزكي هذه التأويلات الغير منصفة غياب المصادر المكتوبة المحلية، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا نقدم الوثيقة الأدبية وهي قابلة للتزييف طالما الوثيقة الأثرية موجودة؟ وإن كان المختصون قبل نتائج الأبحاث الأركيولوجية تضاربت رواياتهم وصاغوها على شكل فرضيات فكيف لنا نحن أن نجزم؟ وبالنسبة للادبيات اللاتينية التي تعتبر غزيرة سواء للمؤرخين الرومان أو للطبقة الخاضعة لسياسة الرومنة وما يصطلح عليها la bourgeoisie berbère أمثال ابوليوس (أفولاي) أو القديس أوغستين الذان على الرغم من تمسكهما بهويتهما المحلية لم يذكرا أحوال القبائل المورية بل اكتفيا ببعض المدن، ولدينا في المقابل النقوش المكتوبة باللغة الليبية القديمة التي عجز الباحثون عن فك شفرة أغلبها، ومنه يصعب الجزم بالاستناد اليها إلى أحوال هؤلاء القوم أو تاريخ عيشهم تحديدا على هذه الأرض، في حين لدينا نتائج الأبحاث الأركيولوجية التي تثبت استعمال البربر منذ زمن بعيد قبل التثاقف مع الفينيقيين وهم أقدم وافد آلات حجرية كما اعتمدوا التعدين، وهذا من خلال الاطلاع على النقوش الصخرية التي تعود الى 9000 سنة قبل الميلاد وهو تاريخ سابق لتاريخ مصر، فالنقوش صورت العربات التي تجرها الخيول ولصناعة العربة لابد من المعادن، و الخيول البربرية بهذا تكون لحد اليوم أقدم السلالات، وإن كانت تؤكد هذا المعطى ولا تحدده في زمان بإستثناء أسطورة الحصان المجنح(pegasus) ، والمشاركة في فعاليات الألعاب الأولمبية القديمة ومنه فإن وجدت نفس الكتابة على نقائش بجزر الكناري أو غيرها فالأصل هنا هو هذه الأرض الشمال الإفريقية وليس العكس وذلك بقوة العلم وليس المخيال الجمعي الأسطورة.
فقد أثبتت اللقى بجبل إيغود أقدم وجود للإنسان العاقل (homo sapien ) والذي لا تعود أصوله للمشرق أو أوروبا وإنما من أصول إفريقية محلية (panafricain ) ، كما اثبتت حفريات كهف بزمون وجود أقدم إستعمال للحلي في تاريخ الإنسانية تعود ل 150 ألف عام، وقد كتبت كبريات الصحف العالمية حول هذا الحدث ما يفيد أن المغرب مهد الإنسانية، من جهة أخرى لغويا منطقيا يجب أن نربط بين الكلمات المصدرية وبين الطوبونيميا، وليس الشخصيات الأسطورية المتخيلة مثل أفريقش... ، فهناك كلمات متداولة باللغة الأمازيغية الى يومنا هذا، تتلاقى مع تسميات الآلهة والمعتقدات المحلية والتي لا تخلو منها حضارة، ومنه بالرجوع الى الميثولوجيا (panthéon Amazigh ) وما عثر عليه بشكل ملموس مم منحوثات والذي يضم بالاستناد الى غابرييل كامبس (G. Camps) ما هو موري تحت مسمى Di Maurii وما هو إفريقي عامة، فافري التي تعني اليوم الكهف كانت الربة الأساس والتي تقابلها لدى الإغريق هيرا (Hera) ولدى الرومان في وقت لاحق مينيرفا (Minerva ).
إن المفهوم القديم للمدينة على العهد الروماني كان يقوم على كونها مؤسسة قانونية أكثر من ما كانت ظاهرة إجتماعية فما بالك بأحوال القبائل؟ ومن المعلوم أن سياسة روما لم تكن دموية همجية تروم تغيير معتقدات البربر أو استعبادهم والعبودية بالاستناد إلى الإحصائيات التي نقحها فرونسوا دوكري (F. Decret) كانت شمال إفريقيا آنذاك الأقل قياسا بجميع الولايات الرومانية على وجه الأرض، و بالعودة إلى الرواية الأدبية الرومانية على اعتبار غزارتها كما أسلفنا الذكر فإن الوجود الخارج عن نطاق المدن، ونقصد هنا النظم الإجتماعية القبلية يعتبر منعدم فيها، فلا نجد ذكر أحوال البربر إلا عرضا.. النقود وشواهد القبور و الانصاب التذكارية تهم المدن فقط، إذن كيف يمكننا وعلى ماذا نبني ان الأراضي كانت مستباحة أمام روما علما أن هناك إحصائيات وإن تبث بالاستناد الى المقارنة والتحليل ميل الرومان الى نضخيم الأعداد فإن المساحة الخاضعة كانت تقدر ب000 350كلم من مجموع 000 900 مع إسقاط الصحراء الكبرى وطرابلس فهي مساحة قليلة جدا، بالإضافة إلى أن الوجود الروماني إجمالا كان مقتصرا على الشمال الشرقي مع استثناء موقعين ومنه فمنطقيا فلم يحصل التواصل التام ولم يفرض أي نوع من التثاقف أو الهيمنة الشاملة، إن الوجود الروماني كان وجودا اقتصاديا صرفا.. إذ كانت تعتبر شمال إفريقيا مخزنها من القمح (notre grenier ) على حد تعبيرهم، فلم يطل الوجود مجمل أرض المور وإنما بعض المراكز الحضرية التي يمكننا حصرها في وليلي، بناصا، ليكسوس ، سلا، كوتا، طنجة و زليل، وقد ميز الباحثون بين نوعين من العبادات، إذ كان آنذاك الدين الرسمي الحضري يحين بوثيرة سريعة كلما حصل تثاقف مع فئة معينة سواء ما يخص الديانات الوثنية أو التوحيدية ، والدين الشعبي الذي يضم المعتقدات الشعبية المحلية ، التي لم تطلها أي تأثيرات، والصنف الأول كان يعتنقه عليه القوم وعددهم قليل جدا في حين أن الثاني هو دين قبلي لم يتدخل فيه وافد، وهذه الفئة تحديدا ظلت ذكراها قائمة على مر العصور مع أنها لم تدون ، وتماهت هذه المعتقدات القبلية القديمة لاحقا مع الدين الإسلامي على شكل موروث ثقافي احتفالي يصاحب المناسبات الدينية ونحن لا نخجل من ذلك.
وإن اعتبرنا الإنترنت اليوم كأداة لتننميط الشعوب من خلال الشراء عن بعد. يمكننا أن نعود إلى طرحنا الأول الا وهو أن المغاربة قد سايروا العصر من خلال الاقتناء من المواقع الالكترونية لكن مع تفضيل نمط المقايضة،الدفع عند تسلم البضاعة كما وصفها هيرودوت على القرن الخامس ق. م، وأن التنميط وسياسة الرومنة بمفهومها الحديث ماهي إلا وهم على الأرض المغربية، وإن غزاها فإنه لن يتجاوز مناطق معينة، ليست حدودا جغرافية كالعهد القديم وإنما مجال الشبكة العنكبوتية، و نكون بهذا أضفنا إلى قائمة المتغيرات التي اصطدمت بها الهوية المغربية عنصرا حديثا منصهرا ضمن كل ما سبق، فعادات الشراء الأصيلة التقليدية في المغرب لم تخفها التقنيات وإنما ظلت تتماشى معها جنبا إلى جنب، والسوق في تاريخ المغرب يستمد أهميته من محيطه الاجتماعي والسياسي ووجوده داخل أسوار التجمعات السكانية يعتبر عادة مقياسا على تمدينها تحضرها، وثقافة البيع والشراء وإن إنتقلت منه إلى الأجهزة اليوم، وهي دون شك معيار على مسايرة العصر، بكل الحمولة الرمزية التي تحملها كثقافة دخيلة، عن التقدم والرقي، فهي لم تتمكن تماما من اختراق الحياة الاجتماعية المغربية ولا تخطي سدها الأمني المنيع.