عندما تنتج فيلمًا تريده صالحًا لكل زمان يجب أن تحضر هذه المقادير:
1 مخرج بكفاءة محمد خان واهتمامه بالتفاصيل
1 سيناريو يناقش قضية تجد من يعاني منها في كل عصر، لكنه مُطوق بروح عصره
1 ممثل حقيقي يُجيد الوقوف على الشعرة التي بين المهزلة والسخرية ، والأفورة والتراجيديا.
" 1 "
يبدأ الفيلم من الشارع وعنه، حيث يهمس أحمد زكي بأشعار أمينة جاهين، وإمعانًا في الواقعية يخلق محمد خان كادراته بلا مهندس ديكور.
و كعادة خان في الشغف بالتفاصيل ، وبأبطاله العاديين ممن لهم أحلام كبيرة ومتاعب أكبر ، ومع ذلك لا يخلو أحد من شخصياته من قدر لا بأس به من السذاجة، ببساطة لأنهم عاديون .
من المشاهد المحورية لفهم نفسية الشخصيات
تجد: فارس في الاسانسير ورجل ثري يركض وراء شابة تستطيع الإفلات والاحتماء بفارس منه عندما تصعد الأسانسير ،ثم بعد ذلك في مشهد هروب فارس من العسكري الذي جاء ليصطحبه إلى القسم، يصعد ب الأسانسير فيرى الفتاة نفسها تدخل مع نفس الثري شقته وهي سعيدة بما يمنحه لها من مال.
فيصنع خان كادر يجعل فارس يصعد وهي تهبط.. تهبط.. بفعل الأسانسير كترميز للرُخص وانحدار القيم أمام المال بعد ماحدث من انفتاح.
ثم يستمر المشهد لنجد أن العسكري يعود إلى الضابط ليخبره بأن فارس هرب فيجد فارس هناك ، قد سبقه وتمثل أمام الضابط.
وذاك المشهد وإن كان بسيطًا فيعكس جزءًا كبيرًا من شخصية فارس في رغبته في فك القيود حتى لو العاقبة كانت الخسران أو على الأقل الغاية واحدة كما في هذا المشهد.
و تجد أيضًا في مشهد أخر بعد معرفة فارس بخبر موت والدته تصل جارته سعاد إلى باب شقتها وتحدثه وهو صامت فيقطع كلامها
" أنا أمي ماتت " ...
تصمت وتقول " أنا عندي نص قزازة بيرة جوا هأدخل أشربها "
تركز الكاميرا على ملامح وجه فارس في مشهد اختلط فيه الحزن بالحيرة ثم يتبعها إلى شقتها تاركًا آلامه للحظات خارج غرفة النوم.
نفس الحالة لما ذهب إلى والده بعد ما انقطع عن زيارته ليخبره ب نفس الجملة
" أنا أمي ماتت " ..
.صمتٌ قصير من الأب يكسره على فارس ب " معاك سيجارة ؟ "
وبعد تناولها من يد ابنه يقول " كلنا هنموت يا فارس ..كلنا هنموت "
أظن أن الشاعر أحمد الطحان استطاع تجسيد هذين المشهدين بقوله
" شوف يا أخي القذارة..رغم كل الحزن دا..لسه الغريزة بتنتصر"
ومع إعجاب الجمهور بهذا الفيلم ذي النَفس " الخاني " بعد مشاهدته في الفيديو ، تجد أن الزعيم غير راضِِ عن تفاصيل هذه تجربته مع خان، ولا عن التنهيد والأنفاس المتتابعة التي رافقت الفيلم وهو يركض. كإشارة من خان إلى رغبة الحريف في الهروب من الواقع بكل سوداويته بلعب الكرة التي يجد فيها نجاحه الوحيد في الحياة بعد إخفاقه كزوج وأب وكابن قبل كل ذلك.
و اعتبر ذلك تغريبًا للقصة الشعبية التي كتبها بشير الديك!!
" 2 "
السيناريو يناقش قضية الفقر ، وإن كانت مرتبطة بزمن إنتاج الفيلم 1983 إلا أنه جعلها قصة متجددة تليق بكل عصر وإن كانت روح التمنينات طاغية أيضًا في ملامح الشوارع و الملصقات وطريقة الملبس والأغاني التي تدور في الخلفية كما يركز خان في أفلامه على متفرجي النواصي كمتابعين للحدث ومشجعين أيضًا فالجمهور يتأثر ويهتف ويصفق و أحيانا يستهجن بكل ما فيه من قوة كما حدث عند عرض الفيلم نفسه من فشل جماهيري مثّل ذكرى مؤلمة لعادل إمام في تجربته مع خان ..
والتمانينات حيث ذروة الانفتاح عندما ترك كثيرون شغفهم بحثا عن المال كصديق فارس " شعبان " لاعب الكرة السابق الذي تحول إلى مهرب، ومنهم من لم يجد فرصة فعانى من الفقر.. - والفقر منه المادي ومنه المعنوي- أما المادي فمثل جار فارس "عبدالله " الذي لم يستطع مكابدة المزيد من بلايا الواقع ف قتل جارته بغير عمد بحثًا عن المال ولما أراد البوليس الامساك به هدد بقتل أسرته كطريق للهرب ثم بعد ما فشل في ذلك انتحر ليقول فارس وهو يرى أسرة جاره يبكونه
" ملعون أبو الفقر "
ووالد فارس الذي مهنته صناعة الأقفاص ، و زوجة فارس التي مهنتها الخياطة ، هذه المهن التي لا تملك سوى قوت يومها ، ورزق الاسكندراني سمسار اللاعيبة وإن كان مستغلًا لفقر فارس فهو صنيعة الفقر أيضا .
وكذلك الفقر المعنوي مثل عزيزة التي تفتقر إلى الاحساس بالتكاتف بعد ما صارت طليقة وإن كانت فهمت الكلمة بمعناها الحرفي فباتت تبحث عن أحضان وأكتاف الرجال بدء من فارس إلى محسن الريفي الذي انجرف في تيار المدينة.
.ومنهم من جمع بين المادي والمعنوي كفارس !
" 3 "
فارس ، هذه الشخصية المتناقضة، تجمع ما بين العنف والعاطفية، كراهية الشيء و الخوض فيه ، الإحباط والاستمرارية .
هنا ، لا أتحدث عن دوره ككل، لكن ما يشغلني هو مواطن التناقض الذي استطاع تأديتها عادل إمام بإجادة، المعاناة من الهزائم المتكررة، ثم هزيمة الهزيمة في أخر مشاهد الفيلم بإحرازه خمسة أهداف، ودخوله بابنه " بكر " الشِباك ليجمع بين شعوره بالفرح للانتصار في النهاية والحزن لأنه للأسف جاء في النهاية بعدما انتهى زمن اللعب ..
أو كما ورد في فينالة الفيلم " انتهى زمن اللعب يا بكر "