إن هي إلا فتنَتك
الصفحة الأولى جريدة الأخبار 10 إبريل 1960
" مصرع السفاح " هكذا استقبلت الصحافة مقتل محمود أمين سليمان على يد الشرطة . قبلها ، واجه محمود سليمان حملة صحفية قادها مصطفى أمين للإيقاع به حتى بات يعرف حينها ب " سفاح مصطفى أمين " .كان محمود مجرد شاب صعيدي ضاقت به الأحوال فنزل إلى الإسكندرية واشتغل بالسرقة والتهجيم . لكنه كان يسرق وفق خطة وترتيب قد يستغرق شهورًا كسرقة " بالطو " أم كلثوم الذي كان يقدر بثلاثين ألف جنيهًا . أيضًا محمود كان استثناءًا لأنه بجانب مهنته كان ذا ميول أدبية ومظهره الحسن جذب انتباه " نوال " التي سرعان ما تزوجها ، لكن كان ل نوال أخ عاطل ، فطلبت من محمود أن يُعلّمه أصول النشالة ، وافق محمود وبدأ في إعداده ، لكن " محمد " شقيق نوال كان يستغل غيبة محمود ويأتي ب " عواطلية " المنطقة إلى بيت محمود وعنها من لعب قمار وسُكر وهكذا ، لكن ذات ليلة تفاجأ الحضور بقدوم محمود قبل ميعاد وصوله ليدخل ويجد هذا المنظر أمامه .
" 2 "
كانت مصر كلها مشغولة بأخر أخبار السفاح ، وقتها سافر الرئيس جمال عبد الناصر إلى باكستان ، وجاء نبأ مقتل السفاح إلى جريدة الأخبار . كان من اللازم تغطية خبر سفر الرئيس في أعلى الصفحة الأولى و في نفس الوقت الإعلام بأهم نبأ وهو التخلص من السفاح فما الحل إذن ؟
جاءت الصفحة الأولى كالتالي :
مصرع السفاح
عبد الناصر في باكستان
تم قراءة الخبر من الأعلى لأسفل بلا فاصل هكذا : مصرع السفاح عبد الناصر في باكستان . تسبب هذا الأمر في أزمة كبيرة واتُهِم القائمين على جريدة الأخبار بأن هذا الأمر مقصود و تدخلت الدولة وقامت بتأميم الصحافة . بينما كان كل هذا يحدث كان نجيب محفوظ يتابع .
" 3 "
دخل محمود ووجد بيته مأوى ل "عواطلية " المنطقة برعاية من زوجته وشقيقها ف " دوّر" الضرب في كل من أمامه وطرد " محمد" شقيق زوجته وهدد زوجته بالطلاق لو تكرر هذا ثانيةً . كان محمد يبحث عن الانتقام ، لم يكن الأمر صعب وهو الذراع اليمنى لمحمود ويعرف مواعيد هجماته و خططه المستقبلية . لذا بلغ عنه أثناء إحدى عملياته ، محمود كان يخاف على بيته وهو في السجن ، فاعترف على نفسه وعلى محمد بالسرقات التي تشاركا فيها ، وطلب من زوجته أن توكّل محاميًا للدفاع عنه ، وبالفعل قامت بزوجته بتوكيل محامٍ ولم تكتفي بتوكيله فقط بل أكلته ونامت معه أيضًا ، وقام هذا المحامي بالتسويف والتأجيل في قضية محمود حتى حُكم عليه بالسجن . فهم محمود ما حدث لكن متأخرًا بعد ما رفعت زوجته عليه دعوى تطالبه بتطليقها وتزوجت هي والمحامي ، وظل محمود يفكر في الانتقام .
" 4 "
بدأ نجيب محفوظ يعمل على الرواية الجديدة ، ثم تم تحويل الرواية لفيلم من إخراج كمال الشيخ ، يستخدم ال "نجيب " الأسماء كمفاتيح للرواية . ربما ترميز بصورة " النيجاتيف " كتسمية البطل سعيد مع أن مصيره تعِس أو يرمي من زاوية بعيدة كتسمية الصبي ، الذي أواه سعيد ثم بعد ذلك خانه وتزوج من امرأته " عليش سدرة "
سدرة كما في التفاسير هي شجرة في السماء السابعة ، استخدمها نجيب محفوظ محل الشجرة التي نُهِى آدم وزوجته عن الأكل منها ، لذا تجد " نبوية " و "عليش " يتبادلان نظرات الشوق والخيانة ، تمهد نبوية لسعيد عملية سرقة البيت التي تعمل به ، يذهب سعيد وكل شيء ميسر له ، يسرق ما ينوي سرقته ، يتصل عليش بالبوليس ويبلغ عنه ، ينزل سعيد ليهرب فيجد طبق فواكه يأخذ منه " تفاحة " ، يقطم منها قطمة ويظن أن الأمور تسير وفق هواه ، ثم يُفاجئ بالبوليس يقبض عليه .
" 5 "
بعد ما قضى محمود سليمان مدته خرج من السجن لينتقم من نوال والمحامي وبالفعل ذهب إليهما ليقتلهما لكن محاولته فشلت وأُلقي القبض عليه سريعًا مرة أخرى ، كانت التهمة هذه المرة شروع في قتل ، لذا كان سجنه سيستمر طويلًا ، لم تضعف رغبته في الانتقام طوال فترة الحبس وبدأ يفكر في الهرب ، ابتلع محمود ورقة مفضضة التي تستخدم في علب السجائر وبدأ يصرخ ، كُشِف عليه و أظهرت الأشعة أنه بلع " بِشلة " ، لم يكن ما ابتلعه كذلك لكن هذا الورق يظهر كجسم غريب داخل المعدة ، نُقِل إلى المستشفى وهناك تمكن من الهرب بعد ما ضرب العسكري وارتدى ملابسه ، هربه كان يُعتبر" صيده " للصحافة وقتها و بدأت في تضخيم خطورته ، والناس زاد حبهم له ، استطاع محمود بعدها الانتقام من زوجته و المحامي وقتلهما ( بخلاف الفيلم والرواية ) استمرت مطاردات الشرطة والصحافة له حتى أُلقي صريعًا في 10 إبريل 1960
" 6 "
جمع نجيب محفوظ في الرواية بين الفلسفة و التصوف ونقد الإعلام والمجتمع كله ، نجده يتحدث عن التسيير الذي يسحب البشر كخيوط واهية ، وأما أن تُجذَب في طاعة واستسلام وأما أن تتقطع ، و تتجمع في هذه النقطة كل شخصيات الرواية ، ثانوية و محورية ، لن أستشهد ب سعيد ولا رؤوف علوان ولا نور بل أستشهد بشخصية على هامش الهامش " شعبان حسين " الرجل الذي لم يأت له ذكر طوال الرواية سوى أنه دفع " خلو رجل " ل عليش ونبوية لكي يسكن مكانهما أو بمعنى أدق يموت مكانهما حينما ذهب سعيد ليقتلهما فأطلق النار التي قتلت " "خرداوتي، لا له في التور ولا في الطحين، يموت؛ علشان نبوية اتجوزت عليش " كما قال صلاح جاهين في حوار الفيلم .
أما عن التصوف ففي الرواية الشيخ " النجدواي " الذي جاء دوره مقتضبًا في الفيلم حيث صوّره المبدع كمال الشيخ بأنه منعزل عن العالم ، يجلس عاليًا بينما سعيد ملتصق بالأرض ، سعيد يشكي آلامه والشيخ يُقدّم المزيد من الحِكم العظيمة ، لكنها لا تُجدي شيئًا لسعيد المنكسر ، كما في حوار الرواية " - هرب الأوغاد ، كيف بعد ذلك أستقر ؟!
- كم عددهم ؟
- ثلاثة ..
- طوبى للدنيا إذا اقتصر أوغادها على ثلاثة "
لكن المشكلة هي أن هؤلاء الأوغاد الثلاثة هم من جعلوا حياة سعيد جحيم يا شيخ نجدواي !
وأما عن الإعلام ف " رؤوف علوان " الصحفي الذي كان صديقًا لسعيد و حببه في القراءة
والخطيئة ، نعم هو لم يعلمه لكن حببه ، سعيد هو من سرق الساعة أولًا وكان مُحرجًا من رؤوف لكن رؤوف برر له الجريمة عندما قال " “ماذا يحتاج الفتى في هذا الوطن ؟ المسدس ليتكفل بالماضي . والكتاب ليتكفل بالمستقبل !” وعندما خرج سعيد من سجنه تنكر له رؤوف وطلب منه أن يقطع علاقته به ، ولما بدأ سعيد في الانتقام من زوجته استغل رؤوف ذلك وبدأ في الكتابة عنه باستمرار وتخويف الناس منه ثم بعد ذلك قال " "أيها السفاح، كم من الجرائم ترتكب باسمك " ونسى أنه صانعه .
في البداية بدأ نجيب محفوظ روايته بحكي سعيد بنفسه بلا مقدمات كأنه يحاول أن ينتهي من مهمته سريعًا لأن الكلاب ما زالت تركض خلفه ، وأثناء رحلة سعيد التي تمنى أن يكملها تلاشى و انتهى وظلت الكلاب ترقص على جثته ، أو تشعل السجائر وتنفث دخانها في الهواء كما في نهاية الفيلم
وكما قال ابن الفارض " وا حسرتي ضاع الزمان ولم أفز
منكم أهيل مودتي بلقاءِ
وكفى غراما أن أبيت متيمًا
شوقي أمامي والقضاء ورائي "
ليكمل نجيب محفوظ الحكي بعد ما قُتل الرواي ، قُتل اللص وعاشت الكلاب ..وما زال كل منا شوقه أمامه وقضاؤه وراءه .