هذه الرواية هي من تأليفي وهي ثاني رواية في مسيرتي، حازت على جائزة الكومار الذهبي لسنة 2022.
كتبتُ الرواية على طبقتين، طبقة أولى نعايش فيها الولادة العسيرة والمضطربة لنص روائي يرتبه ويراجعه كاتب في آخر مراحل الكتابة، كأنه يقاتل حتى يدفع هذا النص الصريح الشاذ عن قواعد الأسوياء والكاشف لبشاعتهم المدفونة سرا فتسعى الحياة إلى استئصاله داخل الرحم قبيل الولادة بوقت قصير، ذاك ما رأيته في مواقف دور النشر الصادة. وأرى هذه الرغبة الشديدة في الولادة المختلفة للثورة غير المرغوبة التي تصطادها وتتصدى لها الحياة في نص رواية الرواية نفسه مع بطلها "شاهين علاوي".
شاهين علاوي طفل مصاب بالتوحد، غير سوي حسب معايير المثاليات المجتمعية، يقاتل اختلافه ونظرة المجتمع الذي سبق وأن قدم له حكم الإعدام منذ بداية رحلته الوجودية. شاهين علاوي ينجح مع الوقت في العثور على مساحة تتسع له داخل هذا المجتمع وينجح في إقناعه بأنه قد انتصر على عدم السواء المباشر. لقد لبس القناع بالطريقة الصحيحة أخيرا، لقد قاتل كي يستطيع الرضوخ، ها هو الآن متزوج وفي قمة السلم الاجتماعي يعيش حياة مرضية. من زاويتي، أرى هذه المرحلة كاملة من حياة شاهين أشبه بعدم يجمع نفسه كي يتشكل منه عالم جديد، أو محطة تأملية تطرح الحياة بقيودها ومعاييرها الصارمة وتعلمنا في الأثناء قواعد هذه اللعبة، أو عصور الاستبداد الصامتة قبيل قيام الثورات الوطنية...
يثور البطل على القيم المقيدة في مرحلة أولى من مراحل اكتشاف الذات، يثور على القوانين التي وضعتها له إنصاف أخته فيكسرها، يثور على مؤسسة الزواج التي تسجنه في لذة وحيدة تمشي مقننة حسب قواعد أخلاقية ثابتة، يثور على الدين، وعلى كل قيمة جامدة تضعه وسط قالب ضيق يحول الحياة بدل حقل تجارب منوعة يحق للإنسان فيها أن يمارس توحده وفرادته إلى مصنع ذي آلية تصنيع واحدة رتيبة تكرر نفسها باستمرار وتخرج دون توقف نسخا من "الأسوياء" الذين لابد وأن يطبقوا المهمة ذاتها وفق معايير دقيقة.
يكبر الجنين في رحم جوري زوجة شاهين، وتتفاقم معه تجربة شاهين، فها هو يجرب اللذة الجسدية دون قيود الآن، يختبر الحب لأول مرة، يرى حياة جديدة في لوحات أخته الفنية من عيني حبيبته الجميلتين، يلعب البوميرانغ بمثالية بمذاق العشق هذه المرة، يساعد جودة في اكتشاف مهاراته الخفية، يحاول أن يفهمه كما لم يفهمه العالم من قبل، ويعتبر كل هذا تجربة الحياة الحقيقية، إنقاذ لحياته من الذهاب بلا جدوى، وكأنه في خضم هذه التجارب بدوره كان يبحث عن معنى الوجود وجدوى الإنسان وجدوى القواعد التي يشرعها الإنسان لنفسه كي يشد خناقها.
عند الشهر الثامن من الحمل، تقرر الحياة إعدام هذه التجربة المغايرة كما يغير العامل بمصنع قطعة الغيار التي باتت تعمل على غير المقرر لها، هكذا رأيت ربما مشهد فصل اللعبة، رأيتهم كالسلطة التي تراقب هذه الأجنة والتحركات المتحررة والثورات الهائجة، تنتظرها بصبر كي تبلغ ذروتها وتقرر عند
لحظة حاسمة لا تتقبل التأخير أو الخطأ أن تقتلع هذه الولادات غير المرغوبة . رأيت هذا من خلال عين نذير مغران الشخضية التي ظهرت فجأة مراقبة مراحل الحمل بدقة، مختارة بعناية هذا الجنين غير المرغوب فيه، وبتأثر مبالغ بقواعد اللعبة التي كانت تُلعب يتلبس نذير مغران دوره جيدا ويقوم به على أكمل وجه فيستأصل الجنين قبيل ولادته بطريقة وحشية لا خطأ فيها، وتحكم الحياة خاضعة لهذا الحكم الحاسم بنهاية التجربة الوجودية لشاهين علاوي نهاية لا رجعة فيها.
لا أحد يطالب بالعدالة عندما تقتل الأجنة، إنهم يذبحون في صمت كامل وخضوع، لا أحد يتذكرهم، لا أحد يعطي وجودهم وزنا وشاهين كأي جنين لا صوت له يرضخ لطعنة المجتمع ولحكم الإعدام. يذكرني شاهين في نهاية الرواية وهو محكوم بالإعدام وسط زنزانة لا يحارب فيها ولو مثقال ذرة كي يثبت براءته بغريب ألبير كامو وهو يتساءل عن جدوى الوجود ومعنى الحياة ويتوصل إلى عبثيتها وعدم جدواها.