تفاصيل العمل

الشاي المسكوب

أبوظبي

2007

بذهن مشوش وقلب مفطور جلست تتأمل البحر ، الساعة الثامنة صباحاً، لايوجد سواها وشخص آخر يقف بعيداً ، ظلت تتأمله خلسة ، أمامه لوحة وتبدو على يمينه أدوات الرسم أما على يساره "تُرمُس" شاي موضوع على طاولة صغيرة وبجانبه فنجان واحد، كان الشاب غارقاً في اللوحة التي أمامه دون أن يمسّها ، لاتعلم هل يجري لمساته الأخيرة عليها أم أنه مازال في البداية ؟ مرَّ وقت على تأمله للوحة دون أن يُحرّك ساكناً ، بيده الفرشاة جامدة لم تتحرك ، لابد أنه شعر بنظراتها فرفع رأسه ثم نظر إلى يساره لتلتقي نظراتهما في جزء من الثانية قبل أن تشيح بوجهها بعيداً.

تكرر المشهد في اليوم الثاني والذي يليه ، بعد الأسبوع الأول حينما التقت نظراتهما لمحت ابتسامته قبل أن تشيح بنظراتها ، كانت المدة أطول ، استغرقت ثلاث ثوانٍ!

في اليوم الذي يليه وصلت للشاطئ قبل أن يصل هو على غير العادة ، جاء بعدها بنصف ساعة ، قبل أن يضع أدواته اقترب قليلاً وقال : صباح الخير.

كانت المرة الأولى التي تسمع فيها صوته .. ردت : صباح النور.

نصب أدواته هذه المرة في مكان أقرب ، وحينما وضع الطاولة الخاصة بالشاي ملأ كوبين، كانت تختلس النظر .. اقترب منها وقدّم لها كوباً..

شيء ما جعلها تنجذب له ، تلك الطرقة القوية التي في القلب والتي لا تأتي دائماً ، لم تشعر بها تجاه خطيبها الذي أحبته ، ما الذي جذبها فيه ؟ أهو ذقنه الغير مهذب .. تأنف دوما من أصحاب الذقون التي يتم تحديدها بدقة و كأنهم استخدموا المسطرة لتساعدهم في ذلك .. أم هو صوته .. تلك الحِدّة في التي كادت تفتت الحاجز اللامرئي الذي تضعه دوماً لحمايتها ، أم نظرته التي شعرت بها تلمس كل جزء من جسدها ، أخذتها رعشة خفيفة قبل أن ترفض عرض الشاي ، عاد أدراجه دون أن ينبس .

في اليوم التالي عندما قدم لها الفنجان قبلته بعد تردد .. وشكرته.

تأملته وهو يبتعد عائداً لمكانه ، لاتثق بالرجال ، تكرههم .. خصوصاً بعد تجربتها الأخيرة وخيانة خطيبها لها ، ماذا لو وضع في الشاي قرصاً منوماً أو مادة مخدرة ؟ ثم من ذاك الرجل الآخر الذي يجلس على الكرسي البعيد و يراقب ؟ هل هو صديقه ومتواطئ معه؟ أم هو مجرد عابر ؟ أو شخص جاء ليفرغ همومه للبحر مثلها؟ أو ربما هو رجل أمن متخفٍّ في ثياب مدنية لمراقبة الوضع في هذا المكان؟

إذن لماذا أخذت الشاي ؟ ربما جبراً لخاطره .. من يكون لتجبر خاطره؟ هو شخص مجهول بالنسبة لها ، لا يحتل أي حيز في حياتها ، تركت ثلاثين في المائة للظن الحسن فأخذت الشاي أما الـسبعين في المائة فتركتها للظن السيء وهو الاحتمال الآخر لذا لن تشربه.

اختلست النظر للرسام ووجدته غارقاً كالعادة في لوحته ، بسرعة سكبت الشاي على الرمل قبل أن يلتفت .

تكرر الأمر في الأيام الأخرى ، لاحظت أن الرسام صار يحرك الريشة ، لم يعد يكتفي بتأمل لوحته .. صارت هي تتأمله بين فترة وأخرى .. لم تعد تكتفي باختلاس النظر ، هناك فراغ بداخلها تركه خطيبها بدأ يمتلئ ، ترى ما سر اهتمامه بها ؟ لماذا يقدم لها الشاي كل يوم ؟ لماذا اكتفى بذلك ولم يحاول الاقتراب أكثر؟ ربما هو خجول ولا يعرف كيف يبدأ ، أو ربما هذه طريقة الفنانين يحبون التلذذ بكل لحظة وبكل شعور حتى ينضج تماماً ويحين وقت قطافه .. هذا ما توصلت إليه.

في نهاية الأسبوع الثاني عندما اقترب كعادته ليقدم لها كوب الشاي جلب معه السكر في أكياس صغيرة كتلك الموجودة على طاولات المقاهي ، أعطاها الفنجان و سألها إن كانت تريد سكراً

قالت: الشاي اليوم بلا سكر؟

-ليس اليوم فقط .. كل يوم !!

عاد لعمله الذي أنهاه سريعا اليوم .. أخذ أغراضه ورحل قبل أن تعيد له الفنجان .

في الأيام التالية كانت تذهب للبحر وتجلس وحيدة ، كفَّ الرسام عن المجيء، أخذ منها شيئاً و رحل ، لاتعلم عنه أي شيء حتى اسمه .

في أحد الأيام .. و بالضبط بعد تسعة أيام من توقفه عن المجيئ جاءها عامل النظافة و أعطاها مظروفاً ، تساءلت متعجبة : ماهذا؟

-الرجل الذي هناك أعطانيه لأسلّمه لك.

التفتت حيث أشار فلم ترَ أحداً .

-أين هو؟!

-ربما ذهب

ترددت في فتح المظروف لكن غلبها الفضول الذي صاحبه إحساس آخر .. ربما هو .. كان إحساسها صادقاً ، الرسالة منه ..

"عزيزتي ..

اعتدت دوماً أن أبعث رسائل شكر لأي شخص يلهمني بفكرة لأي من رسوماتي ، و أنا أشكرك ، قبل أن تأتي كنت أتأمل لوحة بيضاء .. أتأمل البحر.. أتأمل كل ماحولي ولا أستلهم شيئاً وكأن الأفكار انتهت إلى أن أتيتِ و أوحيتِ لي بالفكرة .. فشكراً..

صوّرت اللوحة لأريها إياكِ إن شعرتِ بالفضول .. أسميتها : الشاي المسكوب!"

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز
المهارات