قصة قصيرة
تصاعدت شهقات بكائها وهي تشاهد المشاهد المروعة التي تتابع على شاشة التلفاز، دموعها تسيل وهي ترى أطفال بعمر الزهور ممددين على الأرض بلا حراك بعد أن اغتالتهم يد العدوان، بغضب نهرت ابنها الشاب الذي يكبر بعد مشاهدته لصاروخ يسقط علي دولة الاحتلال تل أبيب قائلة: هل جننت عمار، هل تحتفل والشهداء يتساقطون؟ ما الذي جنته المقاومة بتهديدها؟ جلبت على أهالي غزة الخراب والدمار، وصواريخهم تلك التي تكبر لسقوطها لم تسبب أي ضرر، هل هكذا سيحررون القدس بصواريخ صوت!، فليكفوا عن اسقاط الصواريخ حتى تكف إسرائيل عن القذف ويحقنوا دماء شعبهم.
اقترب منها عمار يمسح دموعها مقبلا رأسها يقول: كانوا سيضربونهم في كل الأحوال أمي، كانوا سيقذفونهم ويقتلوهم كما كانوا يفعلوا منذ سنين، والعالم سيصمت وكأن شيئا لم يحدث، سيدير وجهه كما اعتاد، لقد اعتاد أهالي غزة على الحروب أمي، تعايشوا مع الألم والفقد وأصوات القذف، اعتادوا على وداع شهدائهم أما الصهاينة فلم يعتادوا، دعيهم يختبئون في الملاجئ كالفئران المذعورة، دعيهم يعيشوا رعب صفارات الانذار، دعيهم يموتوا خوفا والنيران تنتشر حولهم، ويوما ما أتمناه قريبا سيخرجون أفواجا كما دخلوا أفواجا فلسطين المحتلة صارخين ناجين بأرواحهم من وهم المدينة المحصنة التي أغراهم بها قادتهم.
هزت أمه رأسها بعدم اقتناع وهي تري المناظر المروعة للخراب الحادث والمباني المتساقطة، برفض قالت له: الروح لا يعادلها انتصار عمار، الروح أغلي ما نملك، أي نصر سيحققونه وأرواحهم تحصد يا بني.
التمعت عين عمار يجيبها بحماس: حققوا الكثير يا أمي، انظري إلى الداخل المحتل والضفة الغربية انتفضوا معا في مشهد لم يحدث منذ سنين، انظري للخارج وما يحدث، كان الجميع انشغل عن فلسطين بما يحدث في بلاده من ربيع أحالوه خريفا ابتلعنا بخيباته، بل إن البعض استجاب لتطبيع الصهاينة معنا ونسوا انهم اغتصبوا أرض فلسطين منا، لكن ما حدث يا امي جعلنا نلتف جميعا حول فلسطين، أرجعنا سنوات للوراء وأفشلنا ما فعله الصهاينة طوال أعواما طويلة في تفريقنا والتطبيع معنا، أعلمهم أننا لن نقبلهم أبدا وأننا لا نراهم سوى كيان غاصب محتل قام ويقوم علي دماء الأبرياء.
نظر للشاشة ودمعت عيناه مما يعرض أمامه، قلبه يدعو بالصبر والثبات للمروعين في منازلهم والمغتالة أحلامهم بأيدي الغدر، وبرغم مما يحدث فهم صامدون مقاتلون باقون على العهد، يقذفون الرعب في قلب عدوهم ويشعلون النار في قلب عاصمته ويحطمون أسطورة قبته الحديدية التي كثيرا ما تغني بها، يحلمون بيوم يتحرر فيه وطنهم، دافعين كل غال وثمين وهل هناك أغلي من الروح دفاعا عن الأقصى.