في ظل التسارع التكنولوجي الذي نعيشه اليوم و تزايد حجم البيانات بشكل غير مسبوق في التاريخ البشري نتيجة التقدم التكنولوجي و الثورة المعرفية في شتي ميادين العلوم و التخصصات، مما استوجب أن تواكب الشركات و المؤسسات هذا التحدي بوسائل و أساليب جديدة تتناسب مع حجم البيانات الكبيرة التي تحيط بها.
و من هنا وجدت الحاجة التي تستوجب وجود تكنولوجيات فائقة تستطيع أن تلبي حاجة الشركات و المؤسسات في إستقبال هذا الكم الضخم من البيانات و القدرة علي تخزينها و معالجتها و تصنيفها و تحليلها و تلخيصها في صورة نهائية مفيدة لعمليات صنع و إتخاذ القرار و في المشاريع البحثية المختلفة، بل و في التنبؤات في المجالات المختلفة بناء علي المعطيات الكبيرة التى لديها.
و هذا ما دفع علماء الحاسوب إلي إبتكار حواسيب فائقة ذات قدرات هائلة تفوق بكثير القدرات الموجودة لدى أقوى الحواسيب التقليدية ، و من هنا تم بناء الجيل الأول للحواسيب الفائقة الأداء في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عام 1957 و وضع تحت الإستخدام الحصري لوزارة الدفاع الأمريكية و لم يكن مصطلح الحواسيب الفائقة قد ظهر بعد في حينها.
و قد صممه خبير الحواسيب سيمور كراي في شركة Control Data Corporation، حيث بدأ الجيل الأول للحواسيب الفائقة بالحاسوب الفائق (CDC 1604 ) و هو الحاسوب الذي كان واحدًا من أوائل أجهزة الحواسيب التي إستبدلت أنابيب الفراغ بالترانزستورات ، و بعد سبع سنوات أي في عام 1964 حدثت طفرة علمية (بمقياس عصرها ) في إنتاج الحواسيب الفائقة حيث تم إنتاج الحاسوب الفائق ( Cray’s CDC 6600 ) كأسرع جهاز كمبيوتر على وجه الأرض مع قدرات تبلغ ثلاثة ملايين عملية فاصلة عائمة في الثانية (FLOPS) و هنا كانت بداية صياغة مصطلح ( supercomputer ) لوصف هذا الحاسوب الأقوي علي وجه الأرض في فترة الستينيات من القرن العشرين، و هو حاسوب ( CDC 6600 ) حيث كانت الحواسيب التى سبقته تحتوي على القليل من المعالجات ولكن مع التطور التكنولوجي، و الذي ساهم في تحويل طرق المعالجة من طريقة معالجة المتجهات إلى طريقة المعالجة المتوازية، و هو التغيير الذي كان لها أثر كبير علي التطور للأجيال اللاحقة من الحواسيب الفائقة الأداء حيث تضاعفت كثيرآ الإستخدامات للمعالجات المتعددة المشغلات و كانت نتيجة ذلك حدوث تطور رهيب في قدرة و سرعة الحواسيب الفائقة الأداء في التعامل مع البيانات الضخمة و العمليات الحسابية المعقدة للغاية.
و من أبرز هذه التطورات التى حدثت لأجهزة الحواسيب الفائقة الأداء هو الزيادة الكبيرة فى سرعة المعالج، و التحول من معالجة المتجهات إلي المعالجة المتوازية التي أثبتت نجاحها الباهر في مواكبة التحديات فى عصر البيانات الكبيرة، كما أمكن إضافة المعالجات لبرنامج في جهاز الحاسوب الإحادي الذاكرة و إمكانية الربط بينه و بين أجهزة الحواسيب المتعددة من خلال برنامج يعمل كموزع بالتوازي
لهذه الحواسيب المتصلة معآ.
و تمتاز الحواسيب فائقة الأداء بقدرتها علي العمل بمعدلات سرعة أكبر للغاية من أجهزة الحواسيب الأخرى، فهو ليس مجرد حاسوب سريع و ضخم فحسب، و لكنه يعمل بطريقة تختلف عن طرق عمل الحواسيب العادية، وحيث أنه يستخدم طريقة المعالجة المتوازية بدلاً من المعالجة التسلسلية التي يستخدمها الحاسوب التقليدى. مما يجعله قادرآ علي بالكثير جدآ من العمليات المختلفة في وقت واحد.
و علي الرغم من الحواسيب الفائقة الأداء لديها قدرات فائقة في التصميم و أسلوب المعالجة، و لكن من حيث الشكل فإنها تشترك مع أجهزة الحواسيب المنزلية بوجود المعالج و هو عبارة عن وحدة المعالجة المركزية) ، و وجود ذاكرة الوصول العشوائي في كلآ منهما ، و من حيث القدرة التخزينية فلدى كلاهما التخزين محرك الأقراص الثابتة / CD / DVD، كذلك يتمتع كلآ من الحواسيب الفائقة الأداء و الحواسيب المنزلية بوجود شبكة للتواصل مع أجهزة الكمبيوتر الأخرى.
و لكن الميزة الأساسية للحواسيب فائقة الأداء تتمثل فى وجود عشرات الآلاف من المعالجات و الأقراص الصلبة و ذاكرات الوصول العشوائي المتصلة معآ بالتوازي مما منحها قدرات خارقة، و هذه الحواسيب فائقة الأداء تحتاج لقدر عالي جدآ من الطاقة لتشغيلها و تبريدهاـ كما تحتاج إلي مبنى كبير و بنية تحتية مصممة خصيصآ لهذه الحواسيب من حيث التغذية الكهربية و التوصيلات المختلفة و أجهزة التبريد، و قد تحتاج هذه الحواسيب لطاقة كهربية تكفي لتشغيل مصانع ضخمة أو مدن صغيرة.
و تبرز أهمية الحواسيب الفائقة الأداء في أنها يمكن الإعتماد عليها فى صنع القرارات الإستراتيجية للحكومات و زيادة قدرتها على الرقابة علي المخزونات الوطنية للسلع الإستراتيجية، و الإدارة السليمة لعمليات اللوجستيات من النقل و الإمداد، و تحسين أساليب الصحة والسلامة العامة و زيادة قدرتها علي التعامل مع الأوبئة الفتاكة، كما تساعد الحواسيب الفائقة الأداء الجهات ذات الطبيعة الخاصة كالمؤسسات العسكرية والاستخبارات الدفاعية في وضع و تحليل الإستراتيجيات العسكرية و إدارة مسارح العمليات المشتركة للقوات العسكرية.
و يمكن لهيئات الأرصاد الإستفادة من قدرات الحواسيب الفائقة الأداء من الإستعانة بها في مراكز الأرصاد في التنبؤ بالمناخ و التنبؤ بالكواراث الطبيعية كالزلازل و البركين و الفيضانات و الأعاصير ، كما تساعد الحواسيب فائقة الأداء الشركات الكبري لصناعة الأدوية و الشركات و المؤسسات التي تتعامل مع جزيئات الذرات، حيث يمكن أن تساهم الحواسيب الفائقة الأداء في الإبتكارات العلمية الجديدة.
أما في المؤسسات المالية كالبورصات و البنوك يمكن الإستفادة من قدرات الحواسيب فائقة الأداء في تخزين البيانات المالية الضخمة بشكل أمن من خلال عمليات تشفير يصعب فكها و كذلك تحليل هذا الكم الضخم من البيانات المالية للوصول إلي نتائج تساهم في تحسين الأداء التنظيمى بمختلف جوانبه المالية و الإدارية و التشغيلية في هذه المؤسسات، كذلك يمكن الإستعانة بالحواسيب الفائقة في كشف عمليات التلاعب و التزييف و الغش و تحسين سبل الرقابة و التحكم و زيادة قدرة هذه المؤسسات علي التنبؤ المستقبلي لتلافي الإنهيارات المالية و زيادة قدرتها التنافسية و تحسين قدرتها على مواجهة الأزمات.