الكعبة
وأخيرا ، استوقفت الجمال في رحابها، بعد أن طاف منابر الأرض ومحاريبها، ساءلته هل رأت عينك أجمل من حسنها ، هل سمعت أذنك أعذب من صوتها، هل مست يدك أنعم من ملمسها ، هل ذاق لسانك أحلى من عسيلتها؟!! وقف الجمال عاجزا جامدا ، وقد تحجرت الحروف في فيه ،ثم تقاطرت كحبات لؤلؤ نظمت بيد لآل ماهرقد فتح الله عليه مغاليق الحسن والجمال ، قائلا : والله ما رأيت ،وما سمعت ،وما مسست، وما ذقت ، أجمل من سحرها وجمالها ، في حضرتها يسكت كل جمال، ويسهب كل إجمال ، كيف لا؟!! وهنا تنزل القرآن تنزيلا ، ورتله محمد - صلى الله عليه وسلم - ترتيلا ، فطاف من هنا مشارق الأرض ومغاربها ، ينشر عبق الحق و الخير والعدل ، إن مس شيئا -وإن كان جلمدا - هام بالطيران ، فأي مكان تقام فيه الصلوات ، و تقبل فيه الطاعات، وتسكب فيه العبرات، وتعلو فيه التوبات، وتغفر فيه الزلات ،وترفع فيه الدعوات عبقة برائحة الأنبياء وبرائحة مسك الختام ، ومغتسلة بزمزم الطهر والبركة، أي مكان هذا الذي يذكرنا كل دقيقة بالعودة إلى خالقنا حفاة ، وقد خرجنا من هذه الدنيا كما دخلناها ، لا نملك نقيرا ولا قطميرا ، وقد غفر الله ذنوبنا، وستر عيوبنا ، وأنار دروبنا ، وصفى قلوبنا،وزكى نفوسنا ،اللهم إن كان الجسد لم يكتب له الوقوف ببابها، فعلق القلب بجمالها وجلالها واجعله من زوارها ، يطوف ويصلي ، يسعى ويلبي ،اللهم اكتب لنا زيارة لها عاجلا غير آجل ، وكحل عيوننا برؤيتها كما كحلت عيون أحبابك و أوليائك.