" ها قد انتهينا من الجرعة الأولى "
هكذا قال الطبيب
تمتمت في خاطري : و أتمنى أن تكون الأخيرة ، كان ابتسامته مصطنعة ، يحاول أن يقول لي من خلالها أن كل شيء سيكون على ما يرام ، لكنني أدرك أنه لن يكون كذلك
عدت إلى المنزل مع أبي ، تحاول أمي أن تتصرف بشكل طبيعي .. لم تسألني عما حدث
لكنني سمعتها تبكي و هي تتكلم مع والدي و تستفسر منه .
لا أعلم سببا لتصرفاتهم الغريبة تلك ، أو رفضهم الإعلان بأن السرطان استطون أنسجة جسدي
كانوا في كل مرة يتكلمون فيها عن مرضي يستخدمون مصطلح " هداك المرض " .
كنت على دراية بكل ما يجري ، لم أتفاءل حين أخبرني الطبيب كاذبا ان شعري سينمو مجددا
أعلم أنه لن ينمو و أعلم أنني سأصبح فتاة بهيئة صبي حليق الشعر .
لم أجد مبررا لتصرف صديقتي حين قصت شعرها لأجلي
لو كنت مكانها لما فعلت .. فلتستمتع بخصلاتها السوداء الطويلة
ليس ذنبها أن الكيماويات استنزفت كل ألقي فتساقطت خصلاتي في خريف كان فرضا علي أن أعيشه
أخبرهم أن الماء غريب الطعم ، لا أحد يصغي
كلهم يزعم أنه نفس الماء الذي نشربه مذ عشنا في منزلنا
و لا أدري لماذا لم تعد أمي تجيد الطبخ كما كانت ، الطعام ينزل في معدتي مرا كالعلقم لكن أبي و إخوتي كانوا يستطيبونه ، يالغرابتهم .
على الرغم من أن غرفتي كانت مزودة بكل الخدمات ، كانت فيها كل الكتب التي أحب و كانت سرعة الإنترنت فيها عالية .. إلا أنني كنت أضجر كثيرا
بكيت بحرقة حين منعت من رؤية أختي ، كنت أريد أن أتلمس بطنها المكور و أسمع نبضات ذاك الملاك في أحشائها
لكنني أدرك أنني بنك أشعة متنقل ، أشعة أكرهها و أكره العلاج بها .
لا يوجد معنى للألم في قاموسي ، الألم حالة عادية يمر بها كل إنسان طبيعي
أما أن تشتعل النار فجأة في أحشائي ، و يتصاعد الدخان منها حارا إلى حلقي فيشققه .. و أن تتراكم الصخور ثقالا على صدري ، صخور لا اقوى على رفعها
تعلمون ؟ أحيانا تسير الأفاعي في عروقي ، السم يلعب دوره و يجعلني أتلوى طالبة الرحمة
لا شيء يشبه الألم صدقوني ، ليته كان ألما
فأنا أجلد من أن أتحدث عن الألم .
ساءت حالتي ، يقولون أنني غائبة عن الوعي لكنني كنت أسمعهم مبتهجة بدعوات أمي لي .. كئيبة حين أسمع بكاءها .
فجأة شعرت براحة عجيبة .. لحظة طرت فيها إلى عوالم لم أعرفها قبل ، سمعت صوت الجهاز بجانبي يصفر
لا أدري لماذا تولول أختي ، و تغيب أمي عن الوعي
حتى أبي للمرة الأولى شاهدته يبكي
ليتهم يعلمون كم كنت سعيدة ، للمرة الأولى من سنوات لا مرض يسري في داخلي و يهشم ما تبقى مني
أنا الآن أصبحت قادرة على استنشاق رائحة طعام أمي الشهي
أصبحت قادرة على رؤيتهم مجتمعين في الغرفة دون أن أنعزل عنهم
و الأهم من ذلك استطعت لأول مرة أن أشاهد أختي و بطنها المثقل بطفلها
يقولون إن كانت فتاة فيسمونها باسمي
و أقول أنا لا
سموها شفاء .. عسى أن يكون لها من اسمها كل النصيب .
#Batoul_Juneid