تفاصيل العمل

اليوم تنفست الصعداء لأول مرة منذ زمن ،

هل سمعت عن شخص توقف تنفسه لمدة عامين ثم استعاد أنفاسه ؟!

هذا أنا .. اسمي نور ..

بالأمس كان يجلس خطيبي "فؤاد" مع والدي لتحديد موعد زفافنا ، شعرت بفرح لأنني سأكون العروس ولكن ماذا عن إحساسي بأن فؤاد هو الرجل الذي سوف أنقل نقلا تاما إلى كنفه ؟!

لا أدري ماهي مشاعري وقتها رغم أنني أحبه وهو يقول أنه يحبنى ..

بعدما غادر المنزل هاتفته لأطمئن عليه هل وصل بيته أم لا ؟!

اطمئننت وذهبت لفراشي لأنام ولكنها كانت ليلة طويلة راجعت فيها حياتي مع فؤاد من قبل أن يتقدم لخطبتي وحتي يومنا هذا وكم كنت سعيدة وقتها ..

لم أقرر شيئا وخلدت للنوم فقط لإخماد عقلي عن التفكير ..

في صباح اليوم التالي _ اليوم _ استفقت علي صوت أبي الحنون

_يلا يانور ياحبيبتي اصحي الفطار جاهز ياعروسة ..

نهضت من فراشي وجلست معه علي المائدة بخطوات متثاقلة وقبل أن تبدأ رأسي في التفكير العميق الذي سوف يجهدني فوق إجهادي ، شعرت بغصة في قلبي ثم قلت : بابا أنا مش عاوزه أكمل ..

_ليه ياحبيبتي أنتي مكلتيش حاجة لسه

*لا يابابا أنا مش بتكلم ع الفطار .. أنا مش عاوزه أكمل الجوازة ..

_.........

*بعد إذنك يابابا أنا نازله الشغل ..

نزلت الشغل وحسيت إنى بمشي عشان المفروض أمشي ورايحه الشغل عشان المفروض أشتغل وهعمل ال عليا عشان دا المفروض أعمله .. مفيش مرة حسيت أنى بعمل الحاجة عشان انا عاوزه أعملها او عشان مريحانى وبسطانى .. أنا كل ال بعمله بعمله عشان مفروض عليا ..

أنهيت يوم عمل شااق وكأنني أنهي عمري ، هممت بتجميع أشيائي الشخصية من علي مكتبي ونظرت لهم وتمنيت لو أنني أستطيع أن ألملم شتات نفسي بهذه السهولة .. هنا عرفت كيف يمكن للإنسان أن يتمني لو كان أشياءا ، قطع هاتفي أمنياتي حينما أصدر صوتا وكان المتصل هو سلمى ..

_ ألو .. ازيك ياسلمى

* أنتى خليتي فيه سلمى ولا زفت ؟ أنتى إيه ال قولتيه لباباكى دا ؟!

_قولتله مش عاوزه أكمل الجوازة دى ياسلمى ..

*نور مش هينفع كلام فى تلفونات خلصي شغلك وانزليلى أنا تحت المكتب بتاعك أصلا

لملمت أشيائي التى تمنيت أننى أكون مثلها ونزلت فى المصعد في نظرة متعجبة من أحد العمال الذي اعتاد على نزولي عبر الدرج لأنني أهيب المصاعد ، ولكن هذا الوقت تحديدا فقدت حتى قدرتي علي الإحساس بالخوف ، هذا اليوم لم أشعر بأي شئ .. نزلت بخطوات بطيئة وكأنني أجر قدماي جرا .. رأيت سلمي بسيارتها توجهت لها وتجاهلت تماما نظراتها التي اخترقت جسدي ..

_ازيك ياسلمى !

_نروح نتنيل نقعد فين عشان نعرف نتكلم ؟

_المكان ال تحبيه ياسلمى

_مطيعه أوي ومستسلمة ؟ طيب هنروح على بيتكم عشان مش هعرف أمد إيدي عليكي ف مكان عام وعموما باباكى مستنينا ..

_ماشي ودينا البيت ..

سلمى قعدت متنرفزة : ايه بقي القرار المفاجئ ال بتقوليه دا ياست هانم ؟

بابا : براحه ياسلمى نشوف بس ايه ال حصل امبارح .. احكيلى يانور حصل ايه ؟

_ محصلش حاجة امبارح يابابا بس حصل قبل كدا .. أنا مش شايفه فؤاد ينفع جوزى ..

أنا حاسه طول الوقت إنى مهرج لازم أعمله كل ال يريحه ويبسطه وهو مجرد متفرج .. متفرج على مسرحية بمثل فيها كل الأدوار لوحدى .. ومش بيتفرج من المسرح .. بيتفرج من ورا شاشة لأن حتى تشجيعه وتفاعلاته مبتوصلنيش ..

طول الوقت مستمرة فى التمثيل وهو طول الوقت مستمر فى السلبية والصمت ..

سلمى : يانور الحياة مش كدا ومش لازم تكون كلها مشاعر ولا كلها بمبي عشان شوية حاجات بسيطة تفركشي عليها جوازة ..

تجاهلت كلام سلمى وسألت بابا سؤال : بابا حضرتك ليه متجوزتش بعد وفاة ماما رغم إنى كنت وقتها صغيرة ووضعك المادى كويس ومكنش فيه أى مشكلة تمنعك ؟!

_ عشان أمك سابت فراغ مستحيل حد مكانها يملاه حتى لو اتجوزت بعدها ستات الدنيا كلهم ..

* وفؤاد مش مالى حياتى يابابا وهو موجود عشان أحس من بعده بفراغ .. أنا عمرى ماأخدت منه حقي .. حقي ف الفرح والسعادة والحب مهدور حتى حقي ف الزعل مباخدهوش .. بيسيبنى زعلانه بالاسابيع ، بيزورني لما بتحايل عليه ، بيكلمني لما بطلب منه ، مفيش حاجة واحدة بس جت معاه بالساهل ..

عمرنا ماخلصنا مشكلة عشان خلصت أو عشان عرف يراضيني .. أنا بخلص المشكلة عشان عارفه إنه مش هيعرف يراضيني ولا هيعرف يحلها فبخلصها عشان أريح دماغى .. مفيش مرة حسيت أنى مسؤله منه .. النهاردة مكلمنيش مكالمه واحدة من الصبح رغم انه عنده شغل نص يوم بس مكلمنيش عشان مش شايف انه لازم يكلمنى .. واحنا ف البدايات .. أنا حاسه انى عنده عادية وانا مش عاوزه ابقي عادية وخصوصا ف البداية كدا .. فؤاد مش بيشيل معايا فؤاد بس بيشيلنى ..

وفؤاد فؤاد ليس موطنى .. وأخر مكان أريد أن أتواجد فيه ..

انهيت كلامى ونظرت لوجه أبي وجدت دمعات عيونه لم أكن أدرى أهى دموع رأفة بي أم دموع سخط على ؟

ولكننى أدركت ذلك حينما مد إلى ذراعه ليحتضننى ويقول لى هامسا لن أتركك لمن لا يراكى بكل نبضات قلبه .. وطلب من سلمى أن تهاتف فؤاد ليأتى فننهى هذا الأمر ..

قلت لهم إنه لن يعنيه الأمر ولن يشعر بشئ سوى الصمت لن يعترض ولن يكسر قلبه ولن يسخط حتى ..

فى غضون ساعة وصل فؤاد ..

أخبره والدى بأننى لا أريد أن أستكمل حياتى معه .. وأنا أشاهدهم من خلف باب غرفتى وانتظرت أن يقول أريد أن اتحدث معها ..

ظننته سيعترض ويطلب أن نتناقش قليلا أو أن نتكلم لأخر مرة فى حياتنا سويا .. ولكن بعض الظن إثم .. دوما أظن فيه خيرا ويخيبه هو ..

فما قال إلا جملة واحدة : خلاص ياعمي براحتها اللى هي عوزاه لو دا هيريحها ..

وانا بخلع الدبلة حسيت انى مش بخلع دبلة من صباعى انا حسيت انى بشيل طوق من رقبتى ومن بعده حسيت بأول نفس أخده ويملا صدرى لأول مرة من اكتر من سنتين ..

النهاردة هنام نوم مريح وهنام نوم عميق .. النهاردة بس خرجت من الماراثون ال بجري فيه بقالى مدة كبيرة بلا هدف ..

النهاردة بس هحس إنى مرتاحة ..