كان أول من يُعمل عقله ويبحث عن الرب بنفسه فهو يعلم أن هذا الكون الفسيح لا بد أن يكون وراءه خالق مبدع ولم يخلق هكذا هباءا بدون تخطيط فهو يعلم أن هناك رب وانشغل بالبحث عنه، هذا هو إبراهيم الذي أُسميه في نفسي صاحب أدب المناظرات الأول، فلم يكن يصدق بالقول ولا يدعُ للشئ إلا بمناظرة صحيحة سليمة نابعة من عقل سوي مُفكر.. فمن هو إبراهيم؟!
هيا بنا #نُبحِر لنعرف..
.
هو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن راغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفشخذ بن سام بن نوح.. وكانت أمه تُدعى أميلة ويقال أن اسمها: نونا بنت كرنبا بن كوثي من بني أرفشخذ بن سام بن نوح.
ويقال أن أبوه كان اسمه آزر كما ذكر في القرآن الكريم، ويقال أنه اسمه الحقيقي تارخ واسمه آزر لقب ملقب به لأنه كان يعبد صنمًا اسمه آزر فلُقب به.
هذا اسمه ونسبه فماذا عن حياته؟
.
وُلِدَ إبراهيم في بابل ويقال أيضًا أنه وُلد بغوطة دمشق ولكن الأرجح هو ولادته في بابل في أسرة تتكون من ثلاثة أخوة إبراهيم وناحور وهاران..
كان إبراهيم هو أوسط أخوته وكان لوط ابن أخوه هاران هو أقربهم إليه حيث أن والده هاران توفى في حياته وحياة أبيه، ومن جهة أخرى لأن إبراهيم تزوج من سارة التي كانت عاقرًا لا تلد فكان يتقرب من لوط لفقده مشاعر الأبوة الحقيقية، ولأن لوط فقد أباه أيضًا، فكان كلاهما يشبع مشاعر الآخر المنقوصة.
.
ولما كان إبراهيم يعيش وسط عبدة الأصنام اتباعًا لآبائهم، كان هو لا يرى في ذلك أية أهمية، وكانت أول مناظرة عقلانية بينه وبين أبيه "تارخ" أو اسمه الآخر "آزر" فقال له: لماذا تعبد هذه الأصنام؟!
قال أبوه: لأن آباءنا كانوا يعبدونها.
قال إبراهيم: ولكن هي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر، فما الغرض من عبادتها؟!
فقال أبوه: هل تريد الابتعاد عن آلهتي ياإبراهيم؟ لو لم تنتهِ عن هذا الجدال الذي لا معنى له فسوف أقوم برجمك، علاوة على ذلك قاطعه أبوه وفضه.
فقال إبراهيم: سوف استغفر لك ربي لأن ربي لطيف خبير.
.
كان يعرف إبراهيم أنه يوجد رب خالق لهذا الكون ولم يكن يعلم ماهيته فأخذ يبحث عنه ويفكر وكان هناك بعض من أهل دمشق يعبدون النجوم والكواكب ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق القديمة سبعة كواكب ويعملون لكل منها عيد ويقدمون القرابين، ففكر إبراهيم أنه من الممكن أن يكون الرب أحد هذه النجوم فنظر للسماء فوجد نجمًا ظاهرًا أكثر من كل النجوم ولعله كان يقصد كوكب الزُهرة فقال من الممكن أن يكون هذا هو الله فهو أميز النجوم، وفي ليلة قمرية وجد القمر ظاهرًا أكثر ومُنير عتمة الليل فقال سوف أعبد هذا من الراجح أن هذا هو الرب فالرب ينيرعتمة الليل، فلما جاءت بعض ليالي يحتفي فيها القمر قال لا ليس الرب بمختفي فسوف أعبد الشمس فهي أكبر ومنيرة أكثر فلما كانت تغرب في نهاية كل يوم كان يستنكر ذلك كيف تكون الرب وتختفي ولا تطلع على العباد؟
ليس أي من هذه النجوم ولا الكواكب هو الرب الخالق ولئن لم يهدني ربي سوف يضل طريقي و أفقد قدرتي على التعرف على ربي.
.
وكان يؤمن في داخله أنه هناك خالق لهذا الكون، واحد أحد، مُطلع على كل شئ في كل وقت لا يختفي ولا يأفل ولا يغيب.
ولما كان قومه يعبدون الأصنام ويقدمون لها القرابين ويقيمون لها عيدًا في كل عام، ففي يوم العيد دعاه أبوه ليحضره معهم في مكان احتفالهم فقال إبراهيم: لا لن أذهب للاحتفال لأنني مريض.
ذهب القوم للأصنام ووضعوا عندهم القرابين، ومن ثم ذهبوا لمكان الاحتفال الخاص بهم بعيدًا عن مكان الأصنام وعبادتها، فتلصص إبراهيم وأخذ معه قدومًا واستهزاءًا بها رأى القرابين الموضوعة أمامهم فتهكم وقال مالكم لا تأكلون القرابين المقدمة؟
وكان يعلم تمام العلم أن هذه الحجارة لن تأكل فهي لن تنفع ولا تضر ولا تبصر ولا تسمع، فأخذ يضرب فيهم ويهشم رؤوسهم وأياديهم ويفعل بهم مايفعل إلا أكبر صنم فيهم وضع عليه القدوم وتركهم وذهب، فلما رجعوا من احتفالهم وجدوا هذه فقالوا من فعل هذا بآلهتنا؟
فرد البعض قائلين: لقد سمعنا فتى اسمه إبراهيم يسخر منهم ويدعوا لغيرهم فلا بد وأنه هو.
.
فلما أتوا بإبراهيم أقام معهم المناظرة الثانية في حياته بعد مناظرته مع أبيه.
فقال لهم: اسألوهم هم لِمَ تسألونني أنا؟
فقالوا له: لأنهم لا ينطقون.
فقال لهم: لا بد وأن هذا الكبير الذي يحمل القدوم هو من فعل هذا بهم.
فقالوا: أتسخر منا؟
فقال: بل أنتم من تسخرون من نفسكم وعقولكم، كيف لكم تعبدون هذه الحجارة والأصنام وأنتم تعلمون أنهم لا ينفعون حتى أنفسهم ولا يمنعون الأذى عن أنفسهم وتسألونهم أن يمنعوا عنكم الأذى؟
هذه الحجارة لا تستطيع أن تنفع نفسها وتسألونها النفع؟
فلما عجزوا عن مناظرته ومجادلته قرروا أن ينتقموا منه وأعدوا له بئرًا عميقًا متسعًا ودعوا الناس كلهم للمشاركة فيه كل من يعرف أن يحمل شيئ يساعد على الاشتعال فليأتِ به فقرروا أن يحرقوا إباهيم حيًا..
.
هنا كان أول اتصال من الرب لعبده إبراهيم الذي يبحث عنه ولم يعرفه فبعث الله بالروح الأمين جبريل إلى جبريل ليطمئنه أن النار ستكون بردًا وسلامًا عليه فلن يتأذى بالنار فيحترق، ولن يصيبه مكروه من البرد فيتجمد، فستكون بردًا وسلامًا عليه..
مكث إبراهيم في هذه النار ليالي وأيام كثيرة، يقال أنها 40 ليلة ويقال أنها 50 يومًا، وأيًا تكن المدة حتى لو ساعة في هذه النار العظيمة فسوف يتأذى منها أي شخص، ولكنها معجزة إلاهية، فلم يبعث الله الريح أو الأمطار أو يأمر النار بعدم الاشتعال ولكن جعلهم يفعلون مايفعلون ويقدر الله مايقدر، وقدرته فاقت كل شئ، فلما خرج إبراهيم من النار ولم يحترق منها ولم يصيبه منها سوى الحر حتى قال: ماكنت أيامًا وعيشًا هنيئًا أطيب لي أكثر من هذه الأيام التي عشت فيها في النار البرد السلام.
.
ولما خرج إبراهيم من النار سليمًا سمع بهذه الواقعة كل من سمع ومنهم حاكم الأرض.. وبالمناسبة فقد حكم الأرض كلها أربعة أشخاص.. منهم 2 مؤمنان (ذو القرنين، وسليمان) و2 كافران (النمرود، وبختنصر)، سنتطرق لذكرهم في نبحر في وقتهم بإذن الله، فأما حاكم الأرض في زمم إبراهيم هو النمرود، فدعا إبراهيم وقال له من هذا الإله الذي تدعو له، ألم تعلم أني إلاهكم الأعلى؟
.
وهنا دارت المناظرة الثالثة لإبراهيم عليه السلام.
فقال إبراهيم: ربي الذي يُحيي ويُشفي ويميت ويُمرض، ربي خالق هذا الكون.
فقال النمرود: أنا أُحيي وأُميت، وكان هناك عبدان محكوم عليهما بالإعدام فقال اقتلوا هذا وحرروا ذاك، اعتقادًا منه أنه كذلك أمات أحدهم وأحيا الآخر.
فقال إبراهيم: فإن ربي هو الذي يسير الكون كله بأمره فهو الذي يأمر الشمس أن تأتي من المشرق كل يوم فهل تقدر أنت على أن تجعلها تأتي من المغرب؟
فلم يقدر النمرود أن يستطرد في الجدال أكثر من ذلك ولكن توعد أن يخسف بإبراهيم الأرض لأنه هو الخالق الرب الذي يعبده الجميع وإن استمرت دعوة إبراهيم فسيسرق منه عباده، فدعا جيشه وتقابل مع إبراهيم في مكان معلوم فسلط الله عليه أحقر الخلق وأصغرهم، فسلط الله عليهم الذباب يأكلون من لحوم جيشه أحياء ودخلت ذبابة من أنفه حتى وصلت إلى مخه، فعذبه الله بها 400 عام تتحرك في مخه وتأكل منه ولا يستريح منها وليس لها منها علاج ولا دواء إلا عندما يضرب بالنعال فتكُف عن الحركة واستمر هذا الحال 400 عام من عذاب النمرود حتى مات.
.
ولما كان من عادة العباد أنهم يهاجرون من الأرض التي يُكذَّبون فيها فهاجر إبراهيم وزوجته سارة وصحبوا معهم لوط ابن أخيه، ارتحلوا إلى بلاد التيمّن أي (اليمن) وكانت بلاد قحط وشدة، فارتحلوا منها إلى مصر، وكانت سارة من جميلات العصر وكل من رآها أعجب بها، فلما سمع بها وبإبراهيم أحد الجبابرة أتى بإبراهيم وقال له من المرأة التي معك؟
قال: هي أختي.
وكانت هذه الكذبة الثالثة لإبراهيم فهو لم يكذب إلا ثلاث كذبات في حياته..
فالأولى عندما دعاه أبوه للاحتفال وادعى المرض وقال (إني سقيم)
والثانية عندما هدم الأصنام وقال لم أفعلها (بل فعلها كبيرهم هذا)
والثالثة كانت عندما قال أن سارة أخته وليست زوجته، فكان سبب قوله ذلك هو حمايتها وحماية نفسه فلو كان علم هذا الجبار أنها زوجته لكان قتله وأذى سارة، ولكان ضاع لوط وتشرد لأنهم ببلد غير بلدهم ولا يعرفون فيها أحد.
.
فلما ادّعى أن سارة أخته قال لها أنني كذبت وقلت هذا فلا تكذبيني فصدقت سارة على قوله ولما كان الجبار أتى بسارة وكان يريد الأذى لها دعت ربها وقالت: يارب أنت علم أني آمنت بك وبرسولك وحصنت فرجي فلا تسلط عليّ الكافر فلما اقترب منها شعر باختناق شديد وتصلب جسمه فخافت سارة أن يموت فيتهمونها بقتله فدعت له قائلة: يارب إن يمت يتهمونني بقتله فأذهِب عنه مافيه.. فرده الل سليمًا معافى ولم يتعظ فاقترب منها ثانية فدعت نفس الدعاء: : يارب أنت علم أني آمنت بك وبرسولك وحصنت فرجي فلا تسلط عليّ الكافر فلما اقترب منها شعر باختناق شديد وتصلب جسمه فخافت سارة أن يموت فيتهمونها بقتله فدعت له قائلة: يارب إن يمت يتهمونني بقتله فأذهِب عنه مافيه مرةً أخرى.
وظن الكافر أنها من الجن لأن كل الخوارق التي تحدث كانوا ينسبونها للجن، فخاف أن يقترب منها وأمر بذهابها وأن يهديها بهدية، فأرسل معها (هاجر) كهدية منه لتخدمها وتقوم بمساعدتها في أمورها.
.
فرجعت إلى إبراهيم وأخبرته بما جرى، ويقال أن الله رفع عنه الحجاب وجعله يرى ماحدث بين الملك الجبار وسارة وكيف نجت منه.
وقرر إبراهيم أن يهاجروا مرة ثانية لبلاد التيمّن، ولكن هنا افترق عنه لوط وقرر أن يمكث في سدوم فهي بلد يكثر فيها الضلال وهو يريد أن يدعوهم لعبادة الله، وكانت سارة عقيم لا تلد فقالت لإبراهيم إني وهبتك هذه الجارية (هاجر) ليتزوجها ويكن له ولد منها، فوافق إبراهيم وتزوجها فأنجبت له إسماعيل، بدأت العادة الإنسانية في المرأة تسود وتشوب قلب سارة بعض من الغيرة، فخشي إبراهيم أن تصيب هاجر وابنه إسماعيل بمكروه منها، وأمره ربه أن يذهب بهاجر وابنها إسماعيل إلى مكة، وكانت مكة وقتئذ صحراء جرداء، فأخذهما وذهب بهما إلى حيث أمره الله ثم تركهم، هنا تعلقت هاجر بطرف ردائه وقالت أتتركنا هنا حيث لا زرع ولا ماء ولا بشر؟
فلم يجيبها..
فأعادت سؤالها مرة أخرى مستعطفة إياه فلم يجب.
فقالت: أأمرك ربك بهذا؟
فقال إبراهيم: أجل.
فاطمأنت وقالت: حسنًا، فهو الله ولن يضيّعنا.
وصدقت، فلم يضيعهما الله.
ودعا إبراهيم ربه قائلًا: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).
.
أكلت من التمر الذى تركه لها إبراهيم، وشربت من الماء، وأرضعت إسماعيل حتى نفد الماء والتمر وجفّ صدرها من اللبن، وأخذ الصغير يتلوى من الجوع والعطش، فصعدت إلى أعلى جبل الصفا لتنظر هل من هناك أحد؟ فلم ترى أحد فنزلت من على قمته وأسرعت لجبل المروة لقمته لتنظر فلم ترى أحد، وأخذت تهرول بين هذا الجبل وذاك حتى أكملتهم سبعة أشواط من الهرولة، ولذلك كان السعي بين الصفا والمروة سبعًا بالهرولة(الإسراع ف الخطوات ليست بالبطيئة وليس بالجري الشديد).
.
وهنا رأت ملكًا يقف بجوار ابنها إسماعيل ويضرب لهم الأرض بجناجه تحت موضع قدمي إسماعيل فتنفجر عين زمزم فتغرف منها وتشرب وترضع ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضياع، فإن هذه أرض الله، وهنا بيت الله يبنيه الولد مع أبيه، وأنتم أهل الله والله لا يضيّع أهله.
وكان أهل البادية يعرفون الأماكن التي بها ماء ومعمورة والأماكن القحلة، فعندما رأوا الطيور في السماء ظاهرة فوق البقعة التي كانت تمكث بها هاجر وابنها إسماعيل فتجمعوا عليها لأن من خبرة العرب أنه إذا حلّق الطير في السماء فوق مكان محدد فهذا ينبئ أن هذا المكان به ماء أو زرع.
فتجمّع الناس.
وهنا صدق دعوة إبراهيم فقد جعل الله أفئدة من الناس تهوي إليهم.
.
وكان هؤلاء القوم هم قبيلة جُرهم العربية، فاستقروا عند هاجر وابنها بعدما استأذنوها فأذنت لهم بمشاركتها الماء واستقروا وجمعوا أهليهم واستأنست بهم هاجر، ونشأ بينهم إسماعيل، لذلك تعلم منهم العربية، وفي قصة جديدة من نبحر سنعرف قصة إسماعيل بالتفصيل.