لقد كان مصدر الغرابة في الأدب القديم هو الشرق ( بلاد العرب ) أو أقصى الشرق ( بلاد الهند والسند والصين ..) ، ثم انتقل مصدر الغرابة إلى الغرب بالنسبة لأهل الشرق وغيرهم حينما بدأوا يكتشفون عالم الغرب . قد يكون عالم الغرابة في الغرب ناتجا عن التقدّم العلمي والمادي وما ترتّب عنه من نتائج على مستويات عدّة بعضها إيجابي كالنظام والانضباط وبعضها سلبي كالتفلّت والانفلات. قد يكون عالم الغرابة في الشرق بمنظور أهل الغرب هو عالم الخرافة والسحر ..
إن ما كان جزءا من عالم الخرافة والغرابة في الشرق وأقصاه أصبح حقيقة وجزءا من عالم العلم والغرابة في الغرب وامتداداته . فما ابتكرته المخيّلة المشرقية في القديم ، وكان يعتبر خرافة ، تمّ تحقيقه في الغرب باعتباره إنجازا علميا وتكنولوجيا . فكلنا يتذكر قصة "علي بابا " وهو يخاطب باب الكهف :"افتح يا سمسم" فينفتح الباب بسرعة ، والسندباد الذي يطير في الهواء على بساطه . ألم يعد الإنسان اليوم يقف أمام الأبواب فتنفتح له ويمتطي الطائرة فتطير به في الفضاء ؟ الأُولى كانت تعدّ غرابة خرافية مشرقية ، والثانية تعدّ غرابة علمية غربية لمن يكتشفها أول مرّة . ولا يشك أحد في أن مصدر الغرابة العلمية هو الغرابة الخرافية . وأن قوة التخييل المشرقي هي التي دفعت قوة العلم الذي ورثه الغرب إلى تحويل الخرافة إلى حقيقة والغرابة إلى ألفة ، دون أن ننسى دور العلم المشرقي أيضا في التقدّم الغربي.
لكن الغرابة في القصة موضوع الدرس والتحليل تتجاوز الغرابة بمفهومها الشرقي والغربي لتحدّثنا عنها باعتبارها خروجا عن المألوف والمعتاد مع ما يرافق هذا الخروج من مبالغات ( قد تكون جزءا من الحقيقة ) في السلوك والمواقف وفي الأسلوب والخطاب ، ولا علاقة لها البتة بعالم السحر والخرافة _ وإن كانت مشرقية الشخصيات والأحداث _ أو بعالم غرابة الغرب الذي لم يكن يعرف وقتها غير الغرابة القادمة من الشرق .
قال الشاعر:
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذ عوى
وصـوّتَ إنســانٌ فكدتُ أطيــرُ
هذا البيت يتضمّن غرابة ؛ وهو الاستئناس بما لا يُستأنس به ( وهو حيوان متوحش ) والخوف مما يؤنَس به في العادة ( وهو الإنسان ) . والباعث على الشعور بالغرابة لدى المتلقي هو قلب حقيقة تعارف الناس عليها ، إلا أن الباعث بالنسبة للشاعر قد لا يبعث على الغرابة، وذلك أن الخوف من شرّ الإنسان الذي يقصدك يدفع إلى الاستئناس بصوت الحيوان المفترس الذي لا يقصدك . ثم إن هذا الاستئناس هو استئناس بالصوت وليس بالحيوان ذاته . والخوف هو من صوت الإنسان فما بالك لو كان حاضرا بشخصه . وهذا يذكّرنا بقصة إبراهيم بن سليمان الذي رأى أعلاما سودا فخافها لأنها دالّة على قوة إنسان يخافه وهو الخليفة أبو العباس الملقَّب بالسفاح.
" الشعور بالغرابة هو علة التأثير الذي ينتاب المتلقي .(..) فلا يجوز فصل عنصر الخطاب وعنصر المتلقي عند الكلام عن الغرابة . ذلك أن الغرابة لا تتجلّى إلا لمتلقّ تعوّد على نوع من التصوّرات ، فإذا به يصادف في الخطاب الشعري أشياء مخالفة لما تعوّد عليه . الغرابة لا تظهر إلا في إطار ما هو مألوف. الشيء الغريب هو ما يأتي من منطقة خارج منطقة الألفة ويسترعي النظر بوجوده خارج مقرّه . هناك إذن علاقة جدلية بين الألفة والغرابة ، وفي هذه العلاقة يكمن سرّ التأثير الذي يحدثه الخطاب الشعري ."
هل يشعر بالغرابة القارئ فقط ( الذي ينتمي إلى عالم الألفة ) أم تشعر به كذلك الشخصية في القصة التي تعيش هذه الغرابة ؟ قد يقدّم النص مؤشّرات دالّة على هذه الغرابة وقد لا يقدّمها . المهم أن المقياس هنا هو شعور القارئ الذي يشترك مع الشخصية في عالم الإنسانية على المستوى الافتراضي على الأقل .
تركّز هذه الدراسة على ثلاثة عناصر بارزة وهي : الغرابة والتلقّي والدلالة . فالغرابة ناتجة عن التلقّي ، والدلالة ناتجة عنهما معا. ومن ثمّ يمكن تقسيم الدلالة إلى قسمين كبيرين : دلالة ناتجة عن التلقّي العامّ للنص السردي، ودلالة ناتجة عن التلقّي الاستغرابي ؛ أي التلقّي الخاصّ لهذا النص . والملاحظ على الدراسة أنها تهتمّ بالتلقيَين : العام والخاص ، فالأجزاء الأولى منها تدخل في نطاق التلقّي العام ، والأجزاء الأخيرة منها تدخل في نطاق التلقّي الخاص . وهذه العناصر تترابط فيما بينها بحيث لا يمكن تصوّر غرابة بدون تلقّ ولا تلقّ دون دلالة . لذلك استعنتُ في تناول هذا الموضوع بمقاربة سيميائية دلالية حاولت من خلالها دراسة النص ذاته ومقصدية "مؤلِّّفه" وراويه ومؤشراته الاستغرابية والدلالية الناتجة عن تلقّيه ، يقول محمد مفتاح : " أكّد المهتمون بالدراسات الأدبية في مرحلة من مراحل نشاطهم على سؤال هو : ماذا يقصد المؤلف ؟ وقد جاءت مرحلة أخرى انصبّ فيها السؤال على : كيف يشتغل النصّ ؟ وقد احتلّ ويحتلّ الصدارة الآن السؤال حول : كيف يُتَلقّى النص ؟ وما هو الوَقع الذي يمارسه النص على متلقّيه ؟ إنها أسئلة ثلاثة غطّت فضاء الدراسات الأدبية عبر تطوّرها ." وقد حاولت هذه الدراسة الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة ، مع التركيز كثيرا على النص ومقصديته ، متوخّية في ذلك إبراز بعض خصوصيات السرد العربي القديم الذي يحفل بالكثير والكثير من الخصائص السردية والجمالية والدلالية التي إن جُلّيَت أبرزت الخصوصيات . فالنص الذي بين أيدينا أَنتَج معنى أو مجموعة من المعاني، وعلينا نحن أن ننتج دلالات هذه المعاني من خلال التساؤل عن مقصد المؤلف أو الراوي من قصته في حدود ما يقدّمه النص أو تقدّمه المعطيات الخارجية من مؤشّرات دالّة ، ومقصد النص في حدّ ذاته ، ومقصد القارئ من خلال تلقّيه لهذه القصة وقراءتها ، وهذا المقصد افتراضي من جهة بالنظر إلى ما يمكن أن يقصده القارئ الافتراضي لهذه القصة ، وحقيقي من جهة أخرى بالنظر إلى دارسها الذي هو قارئ لها في المقام الأول ، ودراسته لها تجلّ لأثر قراءتها وتلقّيها . فالنص واحد والقراءات متعددة ، وبتعدد القراءات تتعدد التأويلات، وبتعدد التأويلات تتعدد الدلالات، لذلك قال القاضي الجرجاني مقولته المتميّزة : " باب التأويل واسع والمقاصد مغيَّبة " ؛ التأويل تأويل القرّاء والدارسين ، والمقاصد مقاصد الكُتّاب والمؤلفين.