قصة عبد النور بين الاستخفاء والظهور : دراسة لقضايا الفضاء في السرد العربي القديم

تفاصيل العمل

إن السرد العربي القديم أحوج ما يكون إلى الدراسة والتحليل لاستخراج مكنوناته على المستويين المضموني والفني ، خاصة إذا علمنا أن لهذا السرد خصوصياته التي يتميز بها عن غيره من أنواع السرد ، وذلك راجع لخصوصية اللغة العربية ذاتها من خلال تعابيرها وتراكيبها ونظمها وبلاغتها ، وخصوصية الثقافة التي تنتمي إليها والحضارة التي نمت بين أحضانها .

إن هذه الخصوصيات كلها نجد لها أثرا في هذا السرد العربي الأصيل ، الذي تمتلئ به كتب التراث المختلفة . ولعل في دراسته تجلية للكثير من المميزات التي بإمكانها أن تثري الدراسات الحديثة بمفاهيم ومصطلحات جديدة .

وهذا أمر سبقنا إليه ، فقد أفادت المناهج السيميائية وغيرها من الدراسة التي قدّمها "فلاديمير بروب " للحكايات الشعبية الروسية القديمة في كتابه "مورفولوجيا الحكاية".

إن التحليل واستنطاق نصوص هذا الموروث السردي العربي يمكّننا من الوصول إلى الكثير من الدلالات من داخل النصوص ذاتها، دون الاعتماد على ما هو خارجها إلا فيما ندر . فالنص يحمل بين أسطره دلالاته ، ويقدّم المعرفة التي يحتاجها القارئ . وما على الدارس والمحلل إلا أن يبذل الجهد للوصول إلى هذه الدلالات وهذه المعرفة واستخراجها .

خصوصية هذه الدراسة أنها تتناول قصة عربية قديمة ، ترجع إلى منتصف القرن الثاني الهجري تقريبا ، بالتحليل من خلال مقاربات تفيد من بعض المناهج الحديثة ، ومنها المنهج السيميائي ، في جانبها الإجرائي وفي أدواتها التحليلية ، في حدود ما يستجيب له هذا النص القصصي وما يوحي به من قضايا تستحق الدراسة . وفي هذا مراعاة لخصوصية النص الذي ينتمي إلى الأدب العربي الإسلامي ، والذي يفترض معالجة تتفق معه في رؤيته وخصائصه . لذلك جاء التحليل منسجما مع هذه المتطلبات المنهجية الضرورية .

الموضوع البارز في هذه الدراسة هو الفضاء المكاني في علاقته بالمكونات الحكائية الأخرى . وقد اخترت الفضاء المكاني لأهميته في القصة عموما وفي هذه القصة بالذات ، بصفته المسرح الذي تدور فيه أحداثها التي تنتجها شخصيات وتتلقاها أخرى في ظرف زمني ما. فالشخصية الرئيسة فيها حيل بينها وبين فضائها الخاص ، فصار همّها الأكبر هو البحث عن فضاء آمن يوفّر لها الحماية والسلامة.لذلك كانت علاقتها بالفضاء قوية لدرجة أنه أصبح معادلا للحياة والبقاء .

ثم لأن الفضاء لم يحظ من دارسي الفنون السردية ما حظيت به المكونات الحكائية الأخرى . لذلك نجدهم اجتهدوا في التنظير لها واستخراج مناهجها ، باستثناء الفضاء الذي لا وجود لنظرية متكاملة المعالم فيه بل هناك فقط اجتهادات متفرقة ، على حدّ تعبير الأستاذ هنري ميتران .

لذلك كانت دراسات الفضاء تأخذ شكل مقاربات لا تصل إلى حدّ المنهج ، لأن انعدام النظرية يحول دون وجود منهج محدد يمكن أن يسير على خطاه الدارسون ، لذا فأعمال المهتمين بالفضاء كلها اجتهادات تحاول الوصول إلى عناصر جديدة يمكن أن تكون في المستقبل نواة لنظرية متكاملة المعالم عن هذا المكون الرئيس من مكونات الأعمال السردية عموما .

لقد سبق أن أشرت ، في محاضرة ألقيتها بمقر المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية بالرياض ، أن الدارسين الغربيين وضعوا مناهج لدراسة الأدب . ثم لم يكتفوا بذلك ، فوضعوا مناهج لكل فن أدبي كالشعر والقصة والمسرحية . ولم يكتفوا بذلك أيضا ، فوضعوا مناهج لكل مكون من مكونات هذه الأعمال الأدبية ، حيث نجد لديهم مناهج لدراسة الشخصية ومناهج لدراسة السرد ومناهج لدراسة الوصف وهكذا..

وهذه اجتهادات كبيرة لم تصل إليها بعد الدراسات الأدبية العربية . وكل هذا يدخل في نطاق إنشاء تخصصات دقيقة داخل تخصص الأدب ، بعيدا عن التعميمات التي لا تقدم نتائج يمكن الاعتماد عليها في تطوير مناهج الدراسات الأدبية . وبهذه الطريقة تفوّقوا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من مناهج وطرائق في دراسة الأدب وتحليله وتجلية دلالاته وأهدافه وعلائقه بالفرد والمجتمع والثقافة والحضارة التي ينتمي إليها .

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
عدد المشاهدات
212
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز