حديثنا اليوم بعنوان : ( مراحل بناء الشخصية في السنة النبوية )
لقد حرصَ نبيُّنَا الكريمُ ﷺ على بناءِ الشخصيةِ السويةِ، التي تعمرُ وتبني، وتُصلحُ ولا تُفسد، وفقَ الرسالةِ الساميةِ التي دعَا الإسلامُ إليهَا، حيثُ يقولُ الحقُّ سبحانَهُ: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). والمتأملُ في السنةِ النبويةِ المشرفةِ يدركُ أنَّهَا بيّنتْ مراحلَ بناءِ الشخصيةِ السويةِ، وأولُ هذه المراحلِ: بناءُ العقيدةِ الإيمانيةِ الراسخةِ، فالإيمانُ باللهِ يزرعُ في الشخصيةِ الطمأنينةَ والسكينةَ، ويجعلُ الإنسانَ في معيةِ اللهِ وحفظهِ، يقولُ سيدُنَا جُندبُ بنُ عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنه: كُنّا مع النبيِّ ﷺ ونحن فتيانٌ – قاربنَا البلوغَ- فتعلمنَا الإيمانَ قبلَ أنْ نتعلمَ القرآنَ، ثم تعلمنَا القرآنَ فازددنَا بهِ إيمانًا ، وعن سيدِنَا عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما قال: كنتُ خلفَ رسولِ اللهِ ﷺ يومًا، فقال لي: (يا غلام، إنِّي أعلِّمُكَ كلماتٍ: احفظِ اللهَ يحفظْكَ، احفظِ اللهَ تجدْهُ تجاهَكَ، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعنْ باللهِ، واعلمْ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ، لم ينفعوكَ إلّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللهُ لك، وإنْ اجتمعُوا على أنْ يضروكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللهُ عليك، رُفعتِ الأقلامُ، وجُفَّتِ الصُّحُف)، ومِن الطفولةِ إلى الشبابِ ، حيثُ يقولُ نبيُّنَا ﷺ: (سبعةُ يظلهُمُ اللهُ تعالى في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلّا ظِلُّهُ: إمامٌ عدلٌ، وشابٌ نشأَ في عبادةِ اللهِ، ورجلٌ قلبُهُ معلقٌ في المساجدِ، ورجلانِ تحابَّا في اللهِ، اجتمعَا عليهِ وتفرقَا عليهِ، ورجلٌ دعتْهُ امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ فقالَ: إنِّي أخافُ اللهَ، ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاهَا حتى لا تعلمَ شمَالُهُ ما تنفقُ يمينُهُ، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا، ففاضتْ عيناهُ) . وقد بنَى نبيُّنَا ﷺ الشخصيةَ على التوازنِ بينَ حاجاتِ الروحِ والجسدِ، فلا إغراقَ في جانبٍ دونَ آخر، حيثُ يقولُ سبحانَهُ: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا )، وتلك هي الوسطيةُ التي أرشدَنَا إليهَا دينُنَا الحنيفُ، حيثُ يقولُ سبحانَهُ: { وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }، ويقولُ سبحانَهُ: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}، ويقولُ تعالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }، ويقولُ نبيُّنَا ﷺ لسيدِنَا عبدِ اللهِ بنِ عمروِ بنِ العاص رضي اللهُ عنهما: (صٌم وأَفْطِر، وقُم ونَم، فإنَّ لجسدِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لعينِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لزوجِكِ عليكَ حقًّا). ومِن أهمِّ سماتِ بناءِ الشخصيةِ: أيها المسلمون، هو ما يكتسبه المرء في حياته الشخصية المتميزة، الشخصية المتوازنة، الشخصية المثالية، الشخصية التي يكون صاحبها مثلاً لكل من يراه. أيها المسلمون، وإلى عهد قريب كان البيت هو الذي يشكّل شخصية أفراده، وكان المجتمع صغيرًا، عبارة عن بيت ومسجد ومدرسة، فكان هذا المثلّث هو الذي يشكّل شخصية أفراد المجتمع، وفي مجتمع مثل مجتمعنا كان هذا المثلّث يقتبس ما يبثّه للفرد من الكتاب والسنة ومن الآداب الإسلامية السامية، أما اليوم فقد دخلت بعض العوامل الخارجية والتي لها دور في التوجيه المنحرف، مع العلم أن الانحراف كان موجودًا منذ قديم الزمان، ولكنه تطوّر واتخذ أشكالاً أكثر إغراءً وتشويقًا، وقديمًا كان الانحراف محدودًا في بعض الأفراد ولكن المجتمع بعمومه كان متوجهًا بطبيعته للأخلاق الفاضلة، فكان الحيّ الواحد مثل الأسرة الواحدة، كلّ منهم يوجّه من شاء من أفراد الحيّ، أما اليوم فالبعض لا يستطيع أن يوجّه أبناءه فضلاً عن أبناء الحي. وفي السنوات القليلة الماضية ازدهرت التقنية وامتلأ العالم بها حتى دخل التطوّر كلَّ بيت واختلط الحابل بالنابل، حتى أفلت زمام القيادة من بعض الآباء والأمهات، فلم يعودوا يملكون نصح أبنائهم، والسبب هو أن مواقع التواصل الاجتماعي قد تولت زمام القيادة وبناء شخصيات الناس. أحباب النبي صلى الله عليه وسلم ، كونوا معي في هذه المقارنة السريعة بين الإسلام والإنترنت في بناء الشخصيات: أراد الإسلام أن يبني شخصية الإنسان ليكون عبدًا لله وحده، ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ )[الذاريات: 56]، والإنترنت يهدف إلى أن يشتت قلوب الناس ليكونوا عبيدًا لكل شيء إلا الله، يهدف من خلال بثّ مواقع الانحلال إلى أن يلهَث المسلم وراء كلّ طرق الإغراء التي تجعل الإنسان عبدًا للشهوات، وصدق الله إذ يقول: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا ) [النساء: 27]. نعم، إن كثيرًا مما يعرض في الإنترنت يجعل الناس يميلون ميلاً عظيمًا عن الدين وعن الخلق، يميلون إلى تلك البرامج الخليعة والرقصات التي تهزّ الحجر القويّ فكيف بالقلب الضعيف؟! إن الفرد اليوم ينتقل بين دول العالم وهو في غرفته بلا رقيب إلاّ الله، فيحدث الصراع داخل النفس بين الخوف من الله وبين نزغات الهوى والشيطان، فمن أي الفرقين أنت؟! أحبابي في الله ، أراد الإسلام للفتاة أن تكون عفيفةً ممتلئةً بالحياء، حتى الكلام فتنة لها، فإذا أرادت أن تخاطب الرجال الأجانب فعليها أن تبتعد عن الليونة في الكلام، قال تعالى:( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ )[الأحزاب: 32]. أما الإنترنت فعلّمها أن تقول للصديق: كيف حالك يا حبيبي؟! وأنت أكثر إنسان أحبه. فأين الآباء والأمهات عن هؤلاء البنات؟! هؤلاء البنات بنات من؟! هل هنّ بنات اليهود أم بنات المجوس؟! لا وألف لا، إنهن من بناتنا نحن المسلمين. أيها المسلمون، أراد الإسلام أن يبني الشخصيةَ المسلمة المتوازِنة التي تعطي كلّ ذي حق حقَّه، ((إن لربك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لبدنك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه))، فيكون المرء متوازنا، يتعامل مع من حوله بتوازن، يكون فعالاً في مجتمعه، مشاركًا لأهله وذويه ووطنه في السراء والضراء، يشعر بأفراحهم ويتألم لأحزانهم ويواسيهم ويهوّن عليهم مصائبهم. أما الإنترنت فقد ربى بعض أفراد المجتمع ليكونوا سلبيّين، يتسمَّر الواحد منهم أمام التلفاز أو الكمبيوتر فلا يعرف أحدًا، وكثيرًا ما يشكو الآباء والأمهات اليوم من عدم رغبة الأولاد والبنات في المشاركة في اللقاءات الاجتماعية والأسرية؛ لأنهم شغلوا بمواقع التواصل الاجتماعي الذي أصبح يسيّرنا ولا نسيّره، فالواجب على الأسرة أن تحدّد لأفرادها أوقاتًا محدّدة للجلوس أمام هذه الأجهزة، ولا يترك الباب مفتوحًا في كل ساعة من ليل أو نهار، فبعض البرامج لا يمنع أن يشاهدها الأولاد بحضور والديهم؛ لأننا مسؤولون عن تربيتهم وتوجيههم، قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )[التحريم: 6] فعلينا جميعا أن نعلم أبنائنا التمسكُ بالقيمِ النبيلةِ والأخلاقِ الساميةِ، حيثُ يقولُ نبيُّنَا ﷺ: (أكملُ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهُم خُلقًا)، ويقولُ ﷺ: (اتّقِ اللهَ حيثُمَا كُنتَ، وأَتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُهَا، وخالقِ النّاسَ بخلقٍ حسنٍ)، وبتلك الشخصياتِ السويةِ يتكونُ مجتمعٌ صالحٌ متماسكٌ يَسُرِي الحبُّ والتعاونُ بينَ أبنائهِ، يقولُ نبيُّنَا ﷺ: (مثلُ المؤمنينَ في توادِهِم وتراحُمِهِم وتعاطُفهِم مثلُ الجسدِ، إذا اشتكَى منهُ عضوٌ تداعَى لهُ سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحُمَّى)، وكان نبيُّنَا ﷺ يهتمُّ بغرسِ الأخلاقِ والآدابِ والقيمِ في النفوسِ منذُ عمرِ الطفولةِ، يقولُ سيدُنَا عمرُ بنُ أبِي سلمةَ رضي اللهُ عنه: كنتُ غلامًا في حجرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وكانتْ يدِي تطيشُ في الصحفةِ- أي: تتحركُ في جوانبِ الإناءِ- فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ: (يا غلامُ، سمِّ اللهَ، وكُل بيمينِكَ، وكُل مِمّا يليكَ).