تفاصيل العمل

مالنا ومال الحكي..... صحيح سمره بس حلوة!

18 January 2019

احيانا نستمع إلى بعض الأخبار التي تثير فينا احساسا أو عاطفة ما ونتجاهلها لسبب أو لآخر، وقد كان موضوع اللغط والعنصرية التي ظهرت بصورة مقرفة حول اختيار ملكة لجمال الجزائر من ذوات البشرة السمراء او السوداء هو أحد تلك الأخبار بالنسبة لي، فقد هوجمت هذه الشابة بطرق تخلو من الإنسانية وبعبارات تنم عن عنصرية لأن بشرتها سمراء وبحجة أنها غير مناسبة وكان هناك الكثيرات أجمل منها. أزعجني الخبر وخصوصا أني أعلم مقاييس الجمال العربية والتي تضع لون البشرة على رأس هذا السلم.... تجاوزت الخبر وأنا أحس بالضيق كون الجزائر هي إحدى دول القارة السوداء والتي تصل نسبة ذوي البشرة السوداء فيها الى ما يقارب 75% من سكانها ومن المفترض أن تتعامل مع لون البشرة بطريقة أفضل من ذلك..........

ولكن ما أثار حفيظتي وجعلني أكتب عن هذا الموضوع هو التناول الإعلامي العربي لهذه الحادثة وأسلوب إظهار الإنزعاج من العنصرية بأسلوب مؤذي أكثر من الخبر نفسه.....فبينما كنت اتابع مساء أمس إحدى المحطات الفضائية الأردنية كان هذا الخبر هو الأول في البرنامج، وكنت سعيدة بأن مقدمة البرنامج قد أشارت إلى رفض هذا التفكير العنصري، ولكن وعندما انتهت المذيعة من تعليقها على الخبر احسست بالإمتعاض وتمنيت لو أنها اكتفت بالإشارة الى الخبر دون تعليق!!! فقد كان التعليق يحمل الرسالة التالية:

"من السيء أن تتعرض انسانة لمثل هذا الهجوم بسبب لون بشرتها، حيث أن المقاييس لاختيار ملكة الجمال لا تعتمد على الشكل فقط فهناك النواحي الإنسانية والأخلاقية والإهتمامات الإجتماعية للشابة التي يتم اختيارها...." هذه الرسالة حملها اكثر من تعليق "إيجابي" بهذا المستوى وليس فقط على مستوى الإعلام الأردني "المتمرس".

بداية، أنا لست من متابعي هذه البرامج وبالنسبة لي وحتى وإن كانت ملكة الجمال التي يتم اختيارها تحمل رسالة ما فأنا ارفض تماما أن يتم التعامل مع المرأة كسلعة تجارية تستعمل جمالها لترويج الأفكار حتى وإن كانت خلاقة.... ولكن اعتراضي هنا يأتي من أسلوب التعليق على الخبر والذي يحمل فكرة "حتى ولو كانت سمراء وغير جميلة فهي لديها صفات أخرى تخولها أن تفوز بمثل هذه المسابقة"... وسؤالي هنا هو: لماذا لا تكون سمراء وجميلة!!!!

لا أعلم، إلى متى سيستمر مجتمعنا بالتعامل مع لون البشرة على أساس ان ما هو مختلف فهو أقل مني... وما يزعجني أكثر أن هذا الأمر قد تسبب لي وعلى المستوى الشخصي بالإحساس بالإستياء وافترضت اننا قد تقدمنا خطوة إلى الأمام وأن هذه الأفكار البالية قد أصبحت سخيفة، ولكن وللأسف فهي تزداد.... ومع إحساس المواطن العربي بأنه قادر على إظهار ازدرائه للبشر والأفكار والمعتقدات بكل صراحة على منصات وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة، فقد أخذت هذه الأفكار العنصرية تظهر بشكل أقوى وتأخذ أشكالاً مؤذية....

المشكلة الحقيقية هي أن الرسالة السماوية -ولا أقول الرسالات- كانت واضحة جدا من ناحية المحتوى، فهي تؤكد على سواسية الناس، وكان هذا هو السبب في أن أول من كان يتبع الأنبياء هم المستضعفون أو الـ"اراذل" كما كان أصحاب النفوذ في أي قوم يدعونهم، وذلك لأن هؤلاء المستضعفون كانوا هم الأقدر على تمييز مبدأ المساواة بين البشر، و أنه تبارك وتعالى خلقنا كلنا من آدم وليس هناك اي تمييز بين الناس مهما كانت ألوانهم وأعراقهم وأشكالهم.

ربما يتفاجأ البعض ممن يقرأ كلماتي بأن هناك تمييزا عنصريا في مجتمعنا وأنا أقول لكم..... نعم... هناك تمييز وعلى أسس كثيرة في هذه المجتمع ولكن الأقلية التي تعيش التمييز هي التي تراه وتعيشه...... وأتمنى من اي شخص يشكك بوجود التمييز على أساس اللون أن يبحث على المواقع الإخبارية على الانترنت عن اخبار تتعلق بشخصيات عامة من ذوي البشرة السوداء مثل ميشيل أوباما أو أوبرا او يقرأ عن أخبار الأمير هاري وزوجته ميجان...... وأقول له...اترك الخبر واقرأ التعليقات والتي ستجد أن جزءا كبيرا منها يخلو من الإنسانية والأخلاق.

وللأسف تظهر هذه العنصرية في مجتمعنا عند المديح أكثر منها عند الذم، ولطالما كرهت تعبيرات (لكن "بس" ومع انها) واضرب لكم بعض الأمثلة على ذلك:

"حلوة مع انها سمرا"

"صحيح سمرا بس دماتها خفاف"

"ما شاء الله عنك....والله الجمال جمال الروح مش جمال الوجه"

"والله هالشب ملامحه ما شاء الله عنه بتجنن..مع انو لونو اسود"

بالنسبة لي وكما أذكر لكم دائما فقد حباني الله أماً رائعة رحمة الله عليها، فعندما بدأت اختلط بالعالم الاوسع من خلال المدرسة لطالما عدت اشكو اليها وأنا أشعر بالألم بأني قد سمعت تعليقات جارحة من زميلاتي بالمدرسة وفي الشارع تنتقد لوني وتؤذيني، فكانت لديها القاعدة التي اتخذتها شعارا ... وكررتها إلى أن تأكدت أني أصبحت قادرة على أن اعيش كلماتها "لا تهتمي... انتي احلا وحدة بالدنيا.... العرب ما بيفهموا بالجمال وبفكرو انه عشان تكوني حلوة لازم تكوني بيضا........ انتي احلا منهم كلهم وعقلك بيوزن بلد.....لا تسمعي كلامهم ولا تردي عليهم حتى...".

جعلتني هذه الكلمات قادرة على تجاوز سهام الأذى التي يطلقها من يقول الكلمة ولا يعلم إلى أي مدى هي قادرة على أن تؤذي الشخص المقابل خصوصا وإن كان طفلاً في مقتبل العمر.... منحتني الثقة بالنفس والقدرة على أن أكون أنا دون النظر إلى هذه السخافات.

ولا أزال أشعر بالألم والأسف عندما استمع إلى بعض السيدات المتعلمات "وليس مثقفات" وهن يصفن هذه أو تلك ويشدن بجمالها ويقيمن هذه الشابة وتلك المرشحة للزواج بنفس طريقة الأمهات والجدات وبوضع اعتبارات غبية على قائمة تضم لون البشرة طبعا ولون الشعر والشكل الخارجي.... وبغض النظر عن التقييم الذي تحصل عليه أي انسانة فأنا لا أعلم ما هو دور الشكل الخارجي للإنسان بوضعه في حياة أي منا؟

التمييز بين الناس بناء على أساس عرق أو لون أو ديانه أو شكل أو مذهب هو أمر سيء... يرفضه الكثيرون ممن يفتخرون بأنهم ذوو أخلاق عالية وملتزمون بعبادتهم متناسين أن الدين هو المعاملة وأن رب العزة وعندما أعطى نبيه الوسام الأعلى لم يكن لحسبه أو لنسبه أو للون بشرته بل كرمه بقوله عز وجل "وإنك لعلى خلق عظيم" وعندما وصف الحبيب عليه الصلاة والسلام رسالته قال: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فأين نحن يا محمد من كرم أخلاقك في هذا الزمن الذي أصبح الكثيرون منا فيه يتعبون أجسادهم بالعبادة ويؤذون الأخرين بسوء المعاملة؟

وعجبي......

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
0
عدد المشاهدات
107
تاريخ الإضافة
تاريخ الإنجاز
المهارات