إن مما من الله به على عباده نعمة العقل، ونعمة استخدامه في الأحكام والتفكير، فكان مصدرا وملهما لكثير من العلوم، التي عم نفعها وكثرت بين الناس ثمارها، ومن هذه العلوم علم المنطق الذي يعتبر سيد علوم التدبر والتفكير والحكم الفصل عند التمييز بين السقيم والسليم من الأفكار والطروح. ومن بين مباحث هذا العلم مبحث التناقض الذي هو من أكثر مباحث المنطق دقة وأعظمها نفعا، وقد تناوله المناطقة بوافر البحث والتدقيق، فاستخرجوا له العديد من القواعد والضوابط، نأتي على ذكرها وعلى غيرها، إن شاء الله في عرض الحديث عن هذا المبحث الجليل.
ورد في معجم اللغة العربية المعاصرة : التناقض هو تعارض بين أمرين لا يتطابقان أبدا، ومبدأه أن الشيء نفسه لا يمكن أن يكون حقا وباطلا معا. ومثاله: تناقضَ الشيئان إذا تخالفا وتعارضا.
والواضح من هذا التعريف أن التناقض تناف بين طرفين لو حصل أحدهما نفي الآخر، وهو التعريف الذي يتكرر في المعاجم بألفاظ مختلفة.
وفي المنطق يحد التناقض على أنه اختلاف النقيضين في الإيجاب والسلب بحيث يقتضي لذاته، أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، كما قال الأبهري وورد نفسه في كتاب التعريفات ص 93.
وقال التهانوي في كتابه كشاف اصطلاحات الفنون: (وعند المنطقيين يطلق (التناقض) على تناقض المفردات وتناقض القضايا، إما بالإشتراك اللفظي أو الحقيقة والمجاز بأن يكون التناقض الحقيقي ما هو في القضايا، وإطلاقه على ما في المفردات على سبيل المجاز المشهور، وبهذا صرح السيد الشريف في تصانيفه، ويؤيده ما اشتهر بينهم أن التصور لا نقيض له. هكذا ذكر أبو الفتح في حاشية الحاشية الجلالية).
وهذا المبحث ككل مباحث المنطق له ضوابطه، فلا يمكن القول به على قضايا، ما لم تكن أركانه مكتملة وشروطه مستوفاة، فهو من أدق المباحث وأوسعها استخداما في باب الإستدلال والمحاججة. وقد وضع أئمتنا رضي الله عنهم شروطا لا يحصل التناقض بين قضيتين إلا بتوفرها.
وتنقسم هذه الشروط بانقسام القضايا، ففي القضايا المخصوصة لا يتحقق التناقض إلا بعد الإختلاف في النسبة الحكمية، والإتحاد في ثماني وحدات:
أولا : وحدة الموضوع، فلو كان موضوع القضية الأولى زيد مثلا، فلا يمكن أن يكون موضوع الثانية بكرا، وإلا لم يحصل التناقض.
ثانيا: وحدة المحمول، فلا يكون محمول الأولى القيام مثلا، ومحمول الثانية النوم، وإلا لم يحصل التناقض.
ثالثا: وحدة الزمان، فلا يكون زمان الأولى الليل مثلا وزمان الثانية النهار، وإلا لم يحصل التناقض بين القضيتين.
رابعا: وحدة المكان، فلا يكون المكان المعين في الأولى غير المكان المعين في الثانية وإلا لم يحصل التناقض.
خامسا: وحدة الإضافة، فلو اختلفت الإضافة لم يحصل التناقض، كقولنا زيد أب لخالد، وزيد ليس بأب لسعيد.
سادسا: الوحدة في القوة والفعل: فلو قصد الحكم على القوة في الأولى والفعل في الثانية بطل التناقض، لأن القوة في الشيئ خلاف الفعل منه، كقولنا سعد كاتب بالقوة، وسعد ليس كاتبا بالفعل، فلا يحصل التناقض لتخلف الوحدة فيهما.
سابعا: وحدة الكل والجزء المقصود، فلو قلنا: المشرق جميل ( قاصدين كله) والمشرق ليس جميلا (قاصدين بعضه) لم يحصل التناقض.
ثامنا: وحدة الشرط المقصود، فلو قلنا مثلا: الثريد لذيذ (بشرط أن يكون باللحم)، والثريد ليس بلذيذ ( بشرط أن لا يكون باللحم) لم يتحقق التناقض.
وزاد بعض المناطقة الإتحاد في:
- العلة: إذ لو اختلفتا في العلة لم يحصل التناقض، مثل: النجار عامل (للسلطان) ، والنجار ليس بعامل (لغير السلطان).
- الآلة: إذ لو اختلفتا فيها لم تتناقضا، كزيد كاتب (بالقلم الواسطي)، وزيد ليس بكاتب (بالقلم التركي).
- المفعول به، إذ لو اختلفتا في المفعول به لم تتناقضا، كزيد ضارب (سعدا)، وزيد ليس بضارب (حمزة).
- الحال: إذ لو اختلفتا فيه لم تتناقضا، كجاء زيد (أي راكبا)، وما جاء زيد (أي ماشيا).
- التمييز: إذ لو اختلفتا فيه لم تتناقضا، كعندي مئة ( أي درهم،) وليس عندي مئة (أي دينارا)
- التحصيل والعدول: فإن كانت إحداهما محصلة والأخرى معدولة لم تتناقضا، لصدق السالبة المحصلة والموجبة المعدولة والعكس بالعكس.
وكل هذا يرجع إلى وحدة الموضوع والمحمول، وإنما فصل فيه للتمثيل ودفع اللبس.
هذا فيما يتعلق بالمخصوصتين، وأما المحصورتين، فيشترط اختلافهما في الكم والكيف مع اتحادهما في ما سلف من شأن المخصوصة، فالكلية نقيضها الجزئية والموجبة نقيضها السالبة والعكس بالعكس، فيتحقق التناقض بهذه الشروط.
والمهملة في حكم الجزئية، فتدخل في المحصورات وتأخذ حكم الجزئية.
فيكون ما تقدم بيان شروط تحقق التناقض، فلا يصح التناقض إذا تخلف بعضها.
ويعتبر التناقض كما أسلفنا من أهم المباحث في الإستدلال، فالأمور النظرية لا يمكن أن تخلوا عن الشيئ أو نقيضه، ومن هنا يأخذ قانون التناقض أهميته عند المناطقة والمفكرين. فعند الإستدلال إما أن يستدل على الشيئ إذا توفرت فيه مواد الإستدلال، فإن تعذرت، يستدل على نقيضه، فإن ثبت صدق النقيض، ثبت كذب نقيضه بدليل الخلف، والعكس بالعكس. وتتم فيه مراعاة الشروط السابقة، لكي لا يختل الإستدلال، ولا تكذب النتائج، فالحجاج من الأمور التي لا تتحمل الخطأ، فأول مخطئ هو أول خاسر.
فالتناقض إذا ضروري في قياس الخلف، كما بينا، لاستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما.
يقول البناني في حاشيته: ( قياس الخلف بفتح الخاء وضمها وإسكان اللام هو إثبات الشيء بإبطال نقيضه)
ويقول الغزالي في فائدة قياس الخلف القائم على التناقض، في كتابه شفاء الغليل: ( برهان الخلف كثير الدخل في جميع المآخذ، إذ عليه تدور معظم النظريات).
وبهذا نكون قد بينا ما أمكن بيانه ووسعنا تقديمه من خصائص هذا المبحث وأحكامه وفوائده واستخداماته، مع ما كان من التقصير والإختصار، فاللهَ أرجو أن ينفع به، والحمد لله رب العالمين.