تفاصيل العمل

في صبايَ لازلتُ أتذكر جيدا لما كانت أمي تقول لي في النهار وهي تطعمني : " افتح فمك لتكون بطلاً بارعا مثل ابن جارتنا فاطمة "موسى "، وفي الليل كان أبي يردد بصوت خافت يغلبه النعاس : " نم مبكراً يا ولدي مثل أيمن "، أما أخي الأكبر فقد كان يكرّر دوما دون ملل ولا كلل على أذني بأن أذاكر دروسي مثل سامي وأن أذهب معه إلى المسجد في أيام الأحاد مثل أبناء أبو قتادة .

معلّمي السمين في المدرسة نصحني بأن أجتهد مثل كريم، ومعلمتي الجميلة الآخرى كانت تنصحني بالاجتهاد في التحفيظ، أما مدير المدرسة كلما مررت بجانبه يشير بيده إليَّ ويصرخ بأعلى صوت؛ عليك أن تصغي للحارس لكي تشبهه في حسن السيرة والسلوك، بينما طلب منّي مدرّبي أن أسدّد الكرة مثل مامادو ، وعمي أوصاني أن أختبئ جيداً من المارة أثناء عودتي من المدرسة مثلما كان يفعل هو في صغره.

كبرتُ شيئا وأنا أرى نفسي أكبر شخصا آخر غير أنا الذي كنته،

بعد ذلك كنت لا إرادياً حين أهمّ بالركض أنظر لمن يركض بخفّة أمامي حتّى أقلّد خطواته، وكنت أحدّق بمن يكون على يساري كيف يمدّ يده لمصافحة الآخرين لأفعل مثله، وأسترق نبرات الصوت ممن حولي لأقلده في الكلام..

استطعت أن أكون مثل موسى وأيمن ومامادو وغيرهم ، ثمّ كبرت وحاولت أن أرسم مثل أحمد، وألعب الكرة مثل مثل الحسين ، وأغني مثل معاذ، وأتحدّث مثل عبدالكريم، وأتقن الخط مثل ناصر، وأسوق الدراجة مثل اسماعيل، تأرجحت مابين النجاح والفشل في محاولاتي، كنت في قليل الأحيان أنا وفي الكثير غيري. ثمّ وصلت لمرحلة بعدها احترت فيها أن أختار هل أكون معلما سمينا مثل عمر مثل أم مهندساً مهذبا مثل فيصل ، أم مديرا مثل حمزة.

فكّرت أيضاً بأن أصبح إعلامياً مثل جواد، لكنني في اللحظة الأخيرة قرّرت أن أكون ممثلا مثل نوح .

تخرّجت مثقلاً بشخصياتٍ عِدّة أردت أن أكونها ، ومشتّتاً لا أعلم أي طريق آخر يجب أن أسلكه، كنت أجلس لوحدي دائماً متبلّداً لساعات طويلة ، ضائعاً أبحث عن نفسي، كبرتُ أنا وفي ذهني شخصيات أخرى كبرت معي في الآن ذاته، حتى أصبح يمرّ الآخرون بجانبي ، ينادون : "داوود" ولا أجيب، حينها أدركتُ أنني كبرتُ دون أن أكون أنا الذي كنتهُ في صغري.

داوود آمحمد.

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
2
عدد المشاهدات
145
تاريخ الإضافة
المهارات