تفاصيل العمل

الفلسفة الإسلامية

فلسفة حجة الإسلام: أبو حامد الغزالي

"إن رد المذهب قبل فهمه و الإطلاع على كنهه ،ردّ في عماية ."

بهذه الجملة افتتح الإمام أبو حامد باب الولوج إلى الفلسفة ، و لهذا رأى أن يطّلع على آراء الفلاسفة الإلهيين اطلاعا تاما قبل أن يرد عليهم ،فوضع كتابه المسمى { مقاصد الفلاسفة } الذي بسط فيه آراءهم و شبهاتهم و استشكالاتهم بسطا وافيا كأنه أحدهم ؛ شأن القوي الراسخ الراسي على صخرة الحق ،لا شأن الضعيف المتقلقل الذي يحمله الخوف على أن يطوي بعض أدلة الخصم أو يحيطها بحجاب من الغموض و الإيهام ،و أراد بذلك أن يبرهن لهم على أنه كامل الإطلاع على أقوالهم ،عميق الفهم لشبهاتهم .

ثم وضع بعد ذلك كتابه الشهير { تهافت الفلاسفة } الذي تولى به إبطال ما يخالف العقل و الدين من أقوال أولئك الفلاسفة المقرين بوجود الله القائلين بقِدم العالم مع الله ، دون سواهم من المادّيين المنكرين لوجود الصانع ، الذين قال عن مذهبهم :" إن هذا المذهب المادي لم تقل به إلا شرذمة يسيرة من ذوي العقول المنكوسة و الآراء المعكوسة الذين لا يؤبه لهم و لا يُعبأ بهم فيما بين النظار ".

إن التعطش إلى درك الحقائق كان دأب أبي حامد و ديدنه، و حاول أن يعرف حقيقة الفطرة التي يكون عليها الإنسان قبل الإعتقادات العارضة ؛ ليتوصل بذلك إلى العلم اليقيني الذي لا يتطرق إليه ريب و لا يتسع القلب للشك فيه ؛ و لما امتحن علومه لم يجد من بينها علما يبلغ مرتبة اليقين إلا الحسيات و العقليات ، و لكنه تأمل في المحسوسات فلم يجد فيها أمانا لأن العين قد تخدع فترى الظل ساكنا و هو متحرك ، و ترى الكوكب صغيرا و هو أكبر من الأرض، و رأى أن الذي كذب الحس و عرّفه خداعه هو العقل .

لما بطُلت ثقة الغزالي بالمحسوسات لم يبق لديه إلا العقليات ،فحاول أن يشكك نفسه فيها ؛ فرأى أنه كان واثقا بالمحسوسات حتى كذبها العقل، و لولاه لاستمر على تصديقها ، و لعل وراء العقل حاكما آخر إذا تجلى كذّب العقل في حكمه كما تجلى العقل فكذّب الحس في حكمه .

توقف عقل الغزالي في الجواب و تأيّد الشك و الإشكال عنده بما يراه النائم من أمور يعتقد أنها حقيقة ثم يظهر له عند اليقظة أنها لم تكن إلا أحلاما ،و دام شكه هذا مدة شهرين كان فيهما كما يصف نفسه على مذهب السفسطة ، بحكم الحال لا بحكم النطق و المقال .

ما زال الإمام يتأمل حتى وقر في نفسه أنه ليس له علاج إلا بالدليل، فأدرك ما أدركه عمانوئيل كانط بعده بستة عصور ؛ و هو : وجود الأفكار الفطرية و هي الأوليات الضروريات البديهيات التي لا تقوم الأدلة الصحيحة إلا عليها ، و لا يصل العقل إلى اليقين إلا بها ، و رأى مثلما رأى الفارابي من قبل : أن هذه الأوليات هي معان ظاهرة مركوزة في الذهن و لا شيء أظهر منها ،و لا يُبرهَن عليها ،لأنها بينة في نفسها و يقينية إلى أقصى درجات اليقين ،و لا يمكن الإستغناء عنها في إقامة البرهان على أي قضية ،لأنها أسس و أصول بديهية لا مجال للشك فيها عند عاقل .

[ فلسفة الفارابي تجدها في مقالاتي السابقة ]

نظر الشيخ أبو حامد فيما قالوه عن الإدراك الحسي و الإدراك العقلي ،فرأى أن الحواس تأتي بالمدركات الحسية مجموعة ، فيتناولها العقل بالتفصيل و المقارنة ،و لكنه أدرك كما أدرك من قبله ابن سينا أن هذا العقل يحكم بثبوت شيء لا إشارة له و لا وضع ،و لا يكون منشأه الحس ،و هو المعقول في نفسه لا المدرَك من المواد .

[ فلسفة ابن سينا تجدها في مقالاتي السابقة ]

أي : أدرك الغزالي كما أدرك عمانوئيل كانط من بعده أن العقل فطرة خاصة يتمكن بقوتها من إصدار أحكام إنشائية جديدة لا يكون منشأها الحس و لا يمكن إدراكها من المواد ،و هكذا رجع إلى يقينه بالعقل و أحكامه ،كما رجع ديكارت من نفس الطريق و من نفس الأقوال.

[ فلسفة كانط ، و فلسفة ديكارت سنُناقشها في مقالات قادمة بإذن الله ]

إذا لم يكن الغزالي سابقا في إدراكه أن هذه الأوليات البديهية ليس منشأها الحس ،فإنه ليسمو على السابقين و اللاحقين حين يبحث في رده على أرسطو عن معنى الزمان و المكان ،و يصف ارتباك العقل عند تصور الزمان الذي لا زمان قبله و المكان الذي لا مكان بعده ، و كانط قال بنفس أقوال الغزالي في الإرتباك العقلي و تصور الزمان و المكان .

[ فلسفة أرسطو تجدها في مقالاتي السابقة ]

إن جوهر البراهين التي يسوقها الغزالي للرد على القائلين بقدم العالم يكاد يكون مرتكزا على الكلام في صفة الإرادة التي غفل أرسطو و غيره عن تحديد معناها ،و على الكلام في حقيقة معنى الزمان.

الفلاسفة يعترفون بوجود الله و يصفونه بكل صفات الكمال ،و لكنهم يقولون بقدم العالم و بأنه لم يزل موجودا مع الله و معلولا له و مساوقا معه ،غير متأخر عنه بالزمان مساوقة المعلول للعلة ،و أن تقدم الله على العالم هو كتقدم المقدمة على النتيجة ،أي هو تقدم بالذات و الرتبة لا بالزمان ،و إن صدور العالم عن الله كان صدورا ضروريا .

و الذي دعاهم إلى هذه المزاعم أنهم ظنوا بأنه لا يمكن صدور حادث من قديم لأن القديم إذا لم يصدر عنه العالم ثم صدر فلا بد لهذا الصدور من مرجح ،فمن هو محدث هذا المرجح ؟ و لِم لَم يُحدث العالم قبل حدوثه ؟ و أنه لا يمكن أن يحال ذلك على عجز القديم عن الإحداث ،و لا على استحالة الحدوث ، و لا يمكن أن يقال لم يكن قبله غرض ثم تجدد غرض ، و لا أن يحال على فقد آلة و لا أن يقال صار مريدا بعد أن لم يكن مريدا ، لأن حدوث الإرادة في ذاته محال .

ثم استشكل الفلاسفة في مدة الترك التي مضت قبل أن يخلق الله العالم ،فقالوا بأن الله قبل خلق العالم كان قادرا على الخلق فكأنه صبر و لم يخلق ثم خلق ،و مدة الترك هذه إن كانت متناهية صار وجود الباري متناهي الأول، و لا يجوز عقلا أن تكون غير متناهية .

الرد على هذه الأقوال الفلسفية القوية الحجة ، الواضحة المحجة ، الخطيرة لزعزعة المعتقد ، البالغة التأثير في عقل القارئ لهذه الفلسفة...

بطاقة العمل

اسم المستقل
عدد الإعجابات
1
عدد المشاهدات
102
تاريخ الإضافة